جمعية التعليم المسيحي في حلب - أحاديث لاهوتية - رسالة البابا يوحنا بولس الثاني إطلالة الألف الثالث للأرشمندريت أغناطيورس ديك
     

جمعية التعليم المسيحي
الأحاديث اللاهوتية
للعام 2001 - 2002

 

الأرشمندريت إغناطيوس ديك

رسالة البابا يوحنا بولس الثاني
إطلالة الألف الثالث
( القسم الثاني )

 
 

للعودة إلى الجزء الأول من رسالة البابا

تمهيد

إن البابا يوحنا بولس الثاني بعد أن استعاد بالذكر في القسم الأول من رسالته احتفالات اليوبيل وتأمل في سر المسيح المتجسد يتساءل مع الجماهير التي خاطبت بطرس يوم العنصرة : ماذا علينا أن نعمل؟

هناك حقيقة تشجعنا: "ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" . إن ما يحثنا على السير بنشاط متجدد ليس منهاجا أو مبدأ بل شخص : " ها أنا معكم " .

لا حاجة إلى ابتكار منهاج جديد المنهاج جاهز وهو دائما المنهاج المأخوذ من الإنجيل و التقليد ، وهو يرتكز دوما على المسيح نفسه الذي يجب أن نتشبه به لنحيا فيه الحياة الثالوثية ولتحويل التاريخ معه إلى كماله في أورشليم السماوية . هذا البرنامج لا يتغير مع تغير الأزمنة والحضارات وإن كان يأخذ بالحسبان الأوضاع الجديدة في مجال التطبيق .

هذا برنامجنا للألف الثالث . بعد النشاط الخاص الذي رافق الاحتفال اليوبيلي ينفتح أمامنا آفاق العمل الرعوي العادي .

إن البرنامج الواحد للإنجيل يجب أن يتأقلم في واقع تاريخ كل جماعة كنسية .فانه داخل الكنائس المحلية يمكن أن نوضح الأهداف وأساليب العمل وتنشئة الأشخاص والبحث عن الوسائل التي تتيح لبشارة المسيح أن تصل إلى الأشخاص وتؤثر في المجتمع والثقافة .

أحرض الرعاة ليعملوا بالتعاون مع مختلف عناصر شعب الله وبالتنسيق مع الكنائس المجاورة على وضع مراحل الطريق المستقبلي . هذا التنسيق يسهله العمل الجماعي في إطار المجالس الأسقفية الوطنية والسينودسات، وقد يستفيد من السينودسات على مستوى القارات التي عقدت في أواخر الألف الثاني .

ينتظرنا تنشيط رعوي مثير وأود أن اقدم بعض التوجيهات مظهرا بعض الأولويّات التي اتضحت لي بجلاء أثناء اليوبيل . هذه التوجيهات تجتمع حول نقطتين :

1 - الاتحاد مع الله ( فصل 3 الانطلاقة مع المسيح )

2 - التوجه بالمحبة نحو القريب (فصل 4 شهود المحبة )

الاتحاد بالله

القداسة

هي الثمر الأول للغفران واليوبيل و من الأولويّات الرعوية .

إن الفصل الخامس من دستور الكنيسة الصادر عن المجمع الفاتيكاني الثاني مكرس "للدعوة العامة إلى القداسة في الكنيسة". إن اكتشاف الكنيسة كسر أي كشعب متّحد بوحدة الآب و الابن والروح القدس نجم عنه إعادة اكتشاف قداستها وهي العروس التي بذل المسيح ذاته ليقدسها (افسس 5/ 25-26 )القداسة هبة متوفرة لكل معتمد ولكن هذه الهبة مرتبطة بمهمة تطبع حياتنا المسيحية كلها.

"إن مشيئة الله إنما هي تقديسكم "(ا تسا 4/3 ) انه التزام يعني ليس أفرادا معينين بل جماعة المسيحيين:"جميع المؤمنين بالمسيح مهما كانت حالتهم ورتبتهم مدعون إلى ملء الحياة المسيحية وإلى كمال المحبة "( دستور المجمع الفاتيكاني نور العالم رقم 40 )ولكن هل من مجال لجعل القداسة برنامجا لعمل رعوي؟ أجل ويترتب على هذا الاختيار نتائج هامة وهذا يعني إنه إن كانت المعمودية تدخلنا حقيقة في قداسة الله بواسطة الارتباط بالمسيح وسكنى الروح القدس فلا يسعنا أن نكتفي بالحياة التافهة مكتفين بالحد الأدنى الأخلاقي وبعاطفة دينية سطحية. عندما نسأل الموعوظ أتريد أن تقبل المعمودية هذا يعني أننا نسأله في الوقت نفسه : أتريد أن تكون قديسا ؟ هذا يعني أن نتبنى الطابع الجذري لعظة الجبل : "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل" (متى 5/48).

لا ننغر ولا نحسب أن مثالية الكمال تقتضي حياة خارقة العادة لا يمكن أن يمارسها إلا عباقرة القداسة . فان طرق القداسة متعددة وتتلائم مع دعوة جميع الأفراد وإني احمد الله لأني طوبت وقدست في هذه السنين الأخيرة العديد من المسيحيين ومن العلمانيين الذين تقدسوا في طرق الحياة العادية إن مسيرة القداسة شخصية ولكنها تستعين بالحياة الجماعية وبالمؤسسات والحركات التي أقرتها الكنيسة .

الصلاة

إن التمرس على القداسة يقتضي أولا فن الصلاة لا بد من أن نتعلم كيف نصلي على مثال الرسل الذين سألوا يسوع (لوقا 11/1). في الصلاة ينشأ الحوار الذي يدخلنا في علاقة حميمة مع المسيح "اثبتوا فيَ وأنا فيكم" هنا يكمن قلب الحياة المسيحية والشرط الأساسي لكل عمل رعوي أصيل . نعيشها أولا في الليتورجيا القمة وينبوع الحياة الكنسية ولكن أيضاً في الخبرة الشخصية .

نلمس في عالم اليوم رغم تفاقم العلمنة تعطشاً إلى الروحانية يتجسم في حاجة متجددة إلى الصلاة. إن الديانات الأخرى المتواجدة الآن في المناطق العريقة في المسيحية تعرض أيضا جوابها على هذه الحاجة وأحيانا بطرق جذابة . أما نحن الذين اُنعم علينا بالإيمان بالمسيح معلمنا وفادينا علينا أن نظهر إلى أي عمق توصلنا علاقتنا معه.ويختبر المؤمن الذي شغف بالحب الإلهي ما وعد به يسوع:"من يحبني يحبه أبي وأنا احبه واظهر له ذاتي" (يوحنا 14/21). إنها مسيرة تدعمها النعمة و تقتضي التزاما روحيا يمر أحيانا بتطهيرات مؤلمة ( الليل المظلم ) ولكن يقود أيضا أحيانا إلى سعادة لا توصف يسميها الصوفيون "الاتحاد العرسي".( القديس يوحنا الصليبي ، القديسة تيريزيا الأفيلية ).

اجل أيها الأخوة يجب أن تصبح جماعتنا المسيحية مدارس صلاة حقيقية حيث اللقاء مع المسيح لا يقتصر على طلب العون بل يقود إلى الشكر والتسبيح والسجود والتأمل والصلاة ، والإقرار بالحب . هذه الصلاة الحارة لا تصرفنا عن الالتزام في التاريخ . فإنها إذ تفتح قلبنا على حب الله تفتحه أيضا على محبة الأخوة وتتيح بناء التاريخ وفق مخطط الله .

لا شك أن الذين دعوا إلى الحياة المكرسة يتفرغون أكثر للصلاة ويتأهلون للاختبار التأملي إن هذا لا يعني أن المؤمنين العاديين يمكنهم أن يكتفوا بصلاة سطحية لا تملأ حياتهم وإلا فيتعرضون للأخطار . ولذا لا بد من أن تكون التنشئة على الصلاة نقطة مميزة في البرنامج الرعائي . وأن تكون جماعتنا الرعوية مفعمة بالصلاة لنقيّم الأساليب الشعبية وبالأخص علينا أن نربي شعبنا للإنعكاف على الصلاة الليتورجية.لننسق بين المهام الرعوية العديدة والشهادة في العالم و بين الاحتفال الافخارستي ولربما أيضا صلاة السحر و الغروب . وإن خبرة العديد من المجموعات الملتزمة تظهر ذلك .

 افخارستيا الأحد

يجب أن نعطي أهمية كبرى لافخارستيا الأحد و ليوم الأحد بالذات ذكرى القيامة وتدفق الروح. إن حقيقة قيامة السيد المسيح هو الحدث التأسيسي الذي يستند عليه الإيمان المسيحي حدث في قلب سر الزمن الذي يرمز مسبقا إلى مجيء المسيح الثاني في المجد . لا نعرف ماذا يخبئ لنا الألف الجديد و لكننا على قناعة بأنه في يدي المسيح ملك الملوك ورب الأرباب "( رؤيا 19/16 ). وباحتفالنا بالفصح ليس مرة في السنة ولكن كل أحد تظهر الكنيسة للأجيال المتعاقبة المحور الذي يرتبط به سر البدء والمصير النهائي للعالم .

أجدد النداء الذي أطلقته في رسالتي " يوم الرب " (31 أيار 1998 ) كي يكون الاشتراك بالافخارستيا لكل معتمد قلب يوم الأحد . انه التزام لا يمكن التخلي عنه وعلينا أن نعيش منه ليس فقط لتنفيذ الوصية بل لأن ذلك ضرورة لأي حياة مسيحية واعية و متماسكة. ندخل في ألفية تتسم باختلاط عميق بين الثقافات والديانات حتى في المناطق المسيحية منذ القدم. في مناطق عديدة المسيحيون "قطيع صغير" ( لوقا 12/32 ) وهذا تحدّ لهم ليشهدوا لهويتهم رغم ما في ذلك أحيانا من صعاب وإن واجب الاشتراك في قداس الأحد هو أحد أشكال هذه الشهادة . وتجمّع المؤمنين في قداس الأحد هو اكبر دواء ضد التشتت فيوم الرب يصبح أيضا يوم الكنيسة التي تجمع المؤمنين .

 سر المصالحة

 وإني أدعو إلى الشجاعة الرعوية كي نعرض بشكل مقنع ممارسة سر المصالحة . عام 1984 أصدرت رسالة عقب السينودس الأسقفي الذي تطرق إلى هذا الموضوع و دعوت إلى بذل كافة الجهود للتصدي لأزمة "الإحساس بالخطيئة " التي تتسم بها الثقافة المعاصرة . وبالأخص إعادة اكتشاف المسيح الذي يظهر لنا حنان الله ويصالحنا معه. نكتشف وجه المسيح هذا من خلال سر التوبة الذي هو الطريقة العادية للمسيحيّ للحصول على مغفرة الخطايا المرتكبة بعد المعمودية. إن أسباب الأزمة حول موضوع سر الاعتراف التي لاحظها سينودوس عام 1984 لم تتلاش في هذه الحقبة القصيرة إلا أن سنة اليوبيل تميزت بإقبال مشجع على هذا السر واجتنى منه العديد من المؤمنين ومن بينهم العديد من الشبان ثمارا طيبة ولذا على الرعاة أن يتحلوا بالثقة وبروح الابتكار والمثابرة للتحريض على هذا السر وإعادة تقييمه. يجب أن لا نتخاذل تجاه أزمة مؤقتة. فمواهب الرب، والأسرار هي من أهمها، تأتينا من الذي يعرف جيدا قلب الإنسان وهو رب التاريخ .

 أولوية النعمة

 إن المكانة التي نعطيها في عملنا الرعائي للصلاة تبرز أولويّة النعمة . هناك خطر أن نظن أن النتائج مرهونة بمقدرتنا على العمل و البرمجة . اجل يريد الله تعاوننا و أن نسخر كل مواهبنا لخدمة ملكوت الله ولكن لا ننسَ أننا "بدون المسيح لا نستطيع شيئا "( يوحنا 15/5 ) وإلا فلا نتعجب إذا باءت مشاريعنا بالفشل فنختبر خيبة أمل التلاميذ:" تعبنا الليل كله و لم نصب شيئا "(لوقا 5/5). إنها مناسبة إذ ذاك لإنعاش الإيمان والتوجه إلى الله بالصلاة فيغمر قلبنا بالنعمة و يسمعنا كلمته بقوة: "انطلق إلى العمق " وكان جواب بطرس في حادثة ذلك الصيد :إني بكلمتك القي الشبكة . اسمحوا لخليفة بطرس في بدء هذه الألفية أن يدعو الكنيسة جمعاء إلى فعل الإيمان هذا الذي يتجلى بالتزام متجدد بالصلاة .

 الإصغاء إلى الكلمة

من المؤكد أن أولوية القداسة والصلاة لا يمكننا أن نتفهمها إلا انطلاقا من إصغاء متجدد لكلمة الله .منذ أن ركز المجمع الفاتيكاني الثاني على الدور المميز لكلام الله في الحياة الكنسية تحققت خطوات هامة في قراءة الكتاب المقدس في صلوات الكنيسة الرسمية وفي دراسات العلمانيين المرتكزة على الأبحاث البيبلية و اللاهوتية. وان الوعظ والتعليم المسيحي يأخذان قوة متجددة عندما نصغي إلى كلام الله . يجب أن ننشر الكتاب المقدس بين العائلات وبالأخص أن يكون الإصغاء إلى الكلمة لقاء حيويا وفق التقليد المعروف " بالقراءة الإلهية " (lectio divina ) الذي يتيح لنا أن نستقي من النص الكتابي الكلمة المنعشة التي تنادينا وتوجّه و تكيّف حياتنا كلها .

 إعلان الكلمة

أن نتغذى من الكلمة لنكون خدام الكلمة هو من أولويات الكنيسة في بدء هذه الألفية. إن المجتمعات المعاصرة حتى في البلدان المتأصلة في المسيحية منذ القديم ما عادت تعتبر القيم الإنجيلية مرجعية لحياتها. وفي إطار العولمة نواجه وضعاً جديدا و لذا دعوت مرارا إلى "أنجلة" أو بشارة جديدة. واردد هذا النداء داعيا إلى تجديد الاندفاع الذي ميز كرازة الرسل بعد العنصرة ." الويل لي إن لم أبشر" (ا كور 9/16 ).

هذا الحماس الإرسالي ليس محصورا بجماعة من الاختصاصيين وعلى جميع أعضاء شعب الله أن يلتزموا به. من التقى حقيقة بالمسيح لا يمكن أن يحتفظ به لنفسه وعليه أن يبشر به . إنما يجب أن نحترم المسيرة الخاصة لكل شخص و الانتباه إلى مختلف الحضارات التي نوصل إليها الإنجيل بحيث لا نتنكر للقيم الأساسية لأي من الشعوب بل ننقيها ونوصلها إلى كمالها . على مسيحية الألف الثالث أن تستجيب لمتطلبات الانثقاف هذه . مع أمانتها المطلقة لذاتها وللإنجيل و للتقليد الكنسي عليها أن ترتدي وجه الثقافات و الشعوب التي تتأصل فيها . أثناء السنة اليوبيلية نعمنا بجمال وجه الكنيسة المتنوع الأشكال ونحن لا نزال في بداية المطاف وصورة باهتة لما يهيء لنا روح الله .

يجب أن نقدم المسيح للجميع بكل ثقة : للبالغين، للأسر وللشبان وللأولاد بدون إخفاء متطلبات الإنجيل ولكن منتبهين إلى متطلبات كل فئة على مثال القديس بولس : " صرت كلا للكل لأربح الجميع " (1 قو 9/22) وأفكر بالأخص برعاية الشبيبة، وقد لمسنا أثناء اليوبيل استعداداتها الطيبة التي علينا أن نستثمرها.

ما يقوينا و يوجهنا في هذه الروح الرسولية مثال شهود الإيمان الذين أبرزنا وجوههم أثناء اليوبيل قال ترتيليانوس : "دم الشهداء زرع للمسيحيين " وقد اختبرت الكنيسة عبر العصور صحة هذه المقولة. ألا يكون الأمر كذلك في هذا القرن و في هذه الألفية التي نبدأها ؟ كنا نفكر بالشهداء كأمر بعيد يعود إلى عصر اضطهادات بدء الكنيسة . إن استعراض الذاكرة أثناء اليوبيل اظهر لنا أن عصرنا غني بالشهود الذين عاشوا الإنجيل عبر المضايقات والاضطهادات ووصلوا كثيرا ما إلى بذل الدم . وفيهم كلمة الله المزروعة في الأرض الطيبة أثمرت مئة ضعف . بمثلهم ارونا ومهدوا لنا الطريق ولم يبق علينا إلا أن نتبع خطاهم متكلين على نعمة الله .

شهادة المحبة

 " ما يظهر للعالم أنكم تلاميذي محبتكم بعضكم بعضا " ( يوحنا 13/35 ). إن كنا تأملنا وجه المسيح فلا بد من أن تتأثر برامجنا الرعوية بالوصية الجديدة التي أعطانا إياها : " احبوا بعضكم بعضا كما أنا أحببتكم " (يوحنا13/34.

هذا هو المجال الكبير الآخر الذي يجب أن يتجلى فيه عملنا الرعوي على مستوى الكنيسة الجامعة والكنائس المحلية. شركة المحبة التي من خلالها تظهر الكنيسة كعلامة وأداة الاتحاد مع الله ووحدة الجنس البشري. أمور كثيرة ضرورية للكنيسة في مسيرتها التاريخية و لكن إذا غابت المحبة فلا جدوى لذلك ."لو نطقت بألسنة الملائكة والبشر وكان لي إيمان حتى انقل الجبال ولم تكن فيَّ المحبة فكل ذلك ليس شيئاً " (1 قو 13/2) المحبة هي حقيقة قلب الكنيسة و هذا ما عبرت عنه القديسة تريزيا الطفل يسوع :" فهمت أن للكنيسة قلب و أن هذا القلب ممتلئ بالمحبة ، فهمت أن المحبة وحدها تحرك أعضاء الكنيسة ، فهمت أن المحبة تحتوي كافة الدعوات ، فهمت أن المحبة هي كل شيء ".

روحانية الشركة

 يجب أن نجعل من الكنيسة بيت ومدرسة الشركة . قبل أن نفصل مبادرات خاصة في عملنا علينا أن ننشط روحانية الشركة في جميع الأعضاء المكرسين و العلمانيين. إنها نظرة من القلب إلى سر الثالوث الساكن فينا والمتجلي في وجه اخوتنا، إنها انتباه للوحدة العميقة لجسد المسيح السري ، للأخ في الإيمان لنشاركه أفراحه وآلامه، لننتبه إلى رغباته و نلبي حاجاته لنقدم له صداقة حقيقية و عميقة. روحانية الشركة هي أيضا الاستعداد لنرى بشكل أخص ما هو إيجابي عند الآخر لنتقبله و نقيَّمه كهبة لنا أيضا و ليس فقط للأخ الذي تقبله مباشرة وهي أخيراً أن نعرف أن نعطي مكانا للأخ حاملين بعضنا أثقال بعض (غلاطية 6/2) و نابذين التجارب الأنانية التي تضع على طريقنا المعاثر و تسبب المزاحمة و الوصولية و الريبة و الحسد . لا ننغر. من دون هذا العمق الروحي الوسائل الخارجية للشركة لا تفيد . ستكون واجهة بدون روح ، أقنعة لا تعبر عن المحبة ولا تعمل على إنمائها .

من هذا المنطلق علينا في هذا القرن الجديد أن ننمي و نقيم المجالات والوسائل التي تؤمن الشركة وفق توجيهات المجمع الفاتيكاني الثاني . ونفكر قبل أي شيء بهذه الخدمات الخاصة للشركة الممثلة بالوظيفة البطرسية وبالجماعة الأسقفية المرتبطة بشكل وثيق بها. إنها حقائق نجد أسسها في خطة المسيح تجاه الكنيسة و تحتاج من جراء ذلك لأن نعيد النظر دوما فيها لنتأكد من استمرارية أمانتها لروح الإنجيل .منذ المجمع الفاتيكاني الثاني تـمَّ الكثير فيما يخص إصلاح الدوائر الرومانية وتنظيم السينودسات وسير المجالس الأسقفية ولكن يبقى الكثير لتفعيل إمكانيات وسائل الشركة هذه للاستجابة لتحولات زمننا السريعة .

أطر الشركة يجب أن تمتد إلى نسيج حياة كل كنيسة، في العلاقة بين الأساقفة والكهنة والشمامسة وبين الرعاة وشعب الله بأكمله . بين الاكليروس والرهبان وبين الشركات والحركات الرسولية و في سبيل ذلك يجب تفعيل أطر المشاركة التي وضعها التشريع القانوني كمجالس الكهنة و المجالس الرعوية فهذه ليست مستوحاة من مقاييس الديموقراطية البرلمانية لأنها تعمل بصفة استشارية وليس تقريرية بيد أنها لا تفقد لذلك أهميتها. فلاهوت وروحانية الشركة توحي استماعا متبادلا بين الرعاة والمؤمنين بحيث يكونون متحدين بالرأي في ما هو جوهري ويصلون في الأمور التي فيها اخذ ورد إلى الموافقة والمشاركة في الخيارات المدروسة . يجب أن نتبنى هذه الحكمة القديمة التي بدون المساس بسلطة الرعاة كانت تشجعهم على الإصغاء التام لكل شعب الله . وهذا ما ذكر به القديس بنادكتوس رئيس الدير إذ يحرضه على الاستماع أيضا إلى الأصغر سناً :" كثيرا ما يوحي الرب لمن هو اصغر سنا رأياً افضل ". ويقول القديس باولينوس دي نول " لنكن مترقبين فم جميع المؤمنين لان في جميع المؤمنين يهبُّ روح الله "..

إن كانت حكمة القوانين وضعت قواعد دقيقة للمشاركة لتحول دون التجربة الاعتباطية فان روحانية المشاركة تعطي حياة للمؤسسات إذ تعرض الثقة والانفتاح للاستجابة بشكل كامل لكرامة ومسؤولية كل عضو من شعب الله ..

 تنوع الدعوات

في الكنيسة الواحدة تنوع المواهب وعلى الكنيسة في الألف الثالث أن تحرض المعمدين على اتخاذ مسؤولياتهم الناشطة في الحياة الكنسية، بجانب الخدمة الكهنوتية هناك خدمات معترف بها لخير الجماعة: من التعليم المسيحي إلى الإنعاش الليتورجي ، من تربية الشبيبة إلى مختلف مظاهر المحبة ..

لا بد من الصلاة والعمل الدؤوب لتنشيط الدعوات للحياة الكهنوتية والحياة المكرسة وهناك تناقص مأساوي للدعوات في البلدان المسيحية القديمة ولا بد من عمل رعوي خاص يتصل بالأسر و الرعايا والأوساط التربوية لإثارة التفكير بالقيم الأساسية للحياة و بمعنى التكريس الكلي لخدمة الملكوت. و يجب أيضا أن نكتشف الدعوة الخاصة للعلمانيين وهي البحث عن ملكوت الله في تنظيم الأمور الزمنية و توجيهها نحو الله والمساهمة في تبشير البشر وتقديسهم .

في هذا الخط يجب تشجيع مختلف الجمعيات والأخويات التقليدية منها والحديثة التي تشكل ربيع الروح. اجل على هذه الجماعات أن تعمل بالتنسيق والطاعة للتوجيهات الصادرة عن الرعاة إلا أن تنبيه الرسول الحازم موجه للجميع:" لا تطفئوا الروح لا تزدروا النبوءات بل اختبروا كل شيء وتمسكوا بالأحسن" (1تسالونيكي 5/19_21 )علينا أن نبدي اهتماما خاصا بالأسر لا سيما وأن هذه تمر في أزمة في عصرنا. في النظرة المسيحية للزواج والعلاقة بين الرجل و المرأة علاقة وحدة ولا انحلال تستجيب لخطة الله الأساسية التي احتجبت فترة " لقساوة القلب " وقد أعاد المسيح صفائها الأصيل ورفعها إلى رتبة سر على مثال حب المسيح للكنيسة. ( أفسس 5/32) على الكنيسة أن لا ترضخ للضغوط وعلى الأسر المسيحية أن تشهد بمثالها لإمكانية عيش الزواج بالموافقة التامة مع مخطط الله والمتطلبات الحقيقية للشخص الإنساني للزوجين وللأولاد .

 الالتزام المسكوني

إن ارث الماضي المحزن لا يزال يتبعنا في بدء الألفية. إن الاحتفال اليوبيلي أتاح لنا أن نثبت نظرنا إلى المسيح وأن نعي اكثر سر الكنيسة الواحدة . الانقسامات حصيلة الضعف البشري، نداء المسيح " ليكونوا واحدا كما انك فيَّ أيها الآب وأنا فيك " يوحي لنا وحدة المسيح بالآب التي هي مصدر وحدة الكنيسة . هذه الوحدة الكامنة ضمن الكنيسة الكاثوليكية تعمل أيضا في سائر الكنائس والجماعات الكنسية التي تنعم بعناصر هامة من الكنيسة تدعوها إلى السعي إلى الوحدة الكاملة. نداء المسيح "ليكونوا واحداً هو أمر يلزمنا و قوة تسندنا وعتاب لكسلنا وضيق لقلبنا".

إن ثقتنا في إمكانية التوصل في التاريخ المنظور إلى الشركة الكاملة والمنظورة لجميع المسيحيين تستند على صلاة يسوع وليس على إمكانياتنا .

عقب التجديد الذي ميّز اليوبيل أتوجه بثقة نحو الكنائس الشرقية وأتمنى أن تبادل المواهب الذي ميز كنيسة الألف الأولى يعود بشكل كامل بحيث أن ذكرى الزمن الذي كانت فيه الكنيسة تتنفس برئتيها (الشرقية والغربية ) تحث مسيحي الشرق و الغرب للسير معاً في وحدة الإيمان و الاحترام للفروقات الشرعية وفي تقبل و مساندة بعضهم البعض كأعضاء لجسد المسيح الواحد .

وفي التزام مماثل يجب متابعة الحوار مع الشركة الانكليكانية والجماعات الكنسية المنبثقة عن الإصلاح. إن المناقشة اللاهوتية حول نقاط هامة تخص الإيمان والأخلاق والتعاون في مجالات المحبة وخصوصا السعي معا نحو القداسة ستؤدي إلى إعطاء ثمارها . لنتابع سيرنا بثقة تائقين إلى الزمن الذي نتمكن فيه أن نرنم معا : "ما أطيب وما أحلى من أن يسكن الاخوة معا " مزمور 133/132 .

 رهان المحبة

انطلاقا من الشركة الكنسية تنفتح المحبة على الخدمة الشاملة وعلينا أن نبدأ بالأكثر فقراً. إن انطلقنا من التأمل بالمسيح علينا أن نكتشفه في وجه من ساوى نفسه بهم : "كنت جائعا فاطعمتموني ......" هذه الصفحة ليست مجرد دعوة إلى المحبة إنها صفحة خريستولوجية تلقي شعاعا على سر المسيح وعلى ضوئها وليس فقط على اورثوذكسيتها تقاس أمانة الكنيسة . لا يمكن أن نقصي أحداً عن حبنا و لكن استنادا إلى كلمة الإنجيل الواضحة هناك حضور خاص لابن الله في شخص الفقراء .

في عصرنا برزت تناقضات خطيرة. فتجاه النمو الاقتصادي والثقافي والتكنولوجي الذي يعطي إمكانات كبيرة لبعض المتميزين ويترك الملايين من الأشخاص ليس فقط على هامش الرقي بل في مستوى أدنى مما تقتضيه الكرامة الإنسانية هناك الكثيرون الذين يموتون من الجوع ومحرومون من العلم و من المتطلبات السكنية والصحية.

وعلاوة على الفقر الاقتصادي هناك شرائح لا ينقصها المال بل الأمل وتتعرض لليأس، للمخدرات، للعزلة. على المسيحيين أن يلبوا الحاجات الجديدة بمحبتهم ليس فقط بتأدية الخدمات و لكن بانفتاح القلب والقرب الروحي بحيث أن المساعدة لا تظهر كحسنة بل كمشاركة أخوية. ولذا علينا أن نعمل في مختلف المجموعات المسيحية بحيث يشعر الفقراء انهم في بيتهم وهذا النمط يساعد على الشهادة الإنجيلية. محبة الأعمال تعطي قوة لا تضاهى لمحبة الأقوال.

 التحديات الحالية

 من جهة أخرى لا يمكننا أن نبقى غير مكترثين لمعضلة البيئة والسلام وانتهاك الحقوق الأساسية للإنسان وبالأخص الأطفال وهناك اهتمام خاص بالراديكالية الإنجيلية التي لا يستسيغها البعض ولكن تفرضها المحبة فهناك الاحترام الواجب لكل حياة بشرية منذ الحبل حتى الموت الطبيعي والتصدي لاستغلال الإمكانيات الجديدة للعلوم البيولوجية بشكل مخالف لمتطلبات الأخلاق والكرامة الإنسانية. على المحبة أن تكون في خدمة الثقافة والسياسة والاقتصاد والأسرة بحيث تصان المبادئ الأساسية المرتكز عليها مصير البشرية ومستقبل الحضارة . وهذه مهمة العلمانيين وعليهم أن يطبقوا تعليم الكنيسة في المجال الاجتماعي . هذا المنحنى الأخلاقي والاجتماعي هو من مقومات الشهادة المسيحية. علينا من منطلق التجسد أن نلتزم بواقع العالم وإننا وإن كنا ننتظر الملكوت الآتي فلا بد من أن نعمل على بناء التاريخ البشري .

 علامة حسية

 علاوة على المساعدة التي قدمت لمن هم اكثر فقراً للمشاركة بالحج اليوبيلي فان ما فاض من الهبات الواردة إلى روما أثناء اليوبيل بعد حسم المصاريف سيخصص لمشاريع خيرية. إنها ساقية صغيرة تنضم إلى النهر الكبير للمحبة في تاريخ الكنيسة وهكذا يتبين روح التضامن وعدم التطلع إلى مكاسب مادّية من جراء اليوبيل .

 الحوار والرسالات

هناك الكثيرون لا يرون نور المسيح. علينا نحن أن نعكسه في هذا العالم إنها لمسؤولية كبرى ملقاة على أكتافنا. علينا أن نلتزم بحوار الأديان و نظهر أن الله إله السلام. و لكن الحوار لا يعني اللامبالاة و علينا نحن المسيحيين أن نؤدي الشهادة إلى الإيمان الذي فينا (1 بطرس 3/15) و مع احترام حرية كل واحد علينا أن نعلن محبة الله الذي "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لأجلنا" ( يوحنا3/16 ) وفي هذا ليس من مساومة ممكنة .

ولا يمكن للكنيسة أن تتخلى عن واجبها الإرساليّ تجاه الشعوب لتعلن أن في المسيح الطريق والحق والحياة (يوحنا 14/6) يجد البشر خلاصهم. بيد أن الواجب الإرساليّ لا يمنعنا من الدخول في الحوار بقلب منفتح على الإصغاء. روح الله يهبُّ حيث يشاء و الكنيسة تستغني بحوارها مع الديانات والفلسفات والثقافات وتقر الكنيسة بأنها ليس فقط أعطت بل استفادت من تاريخ وتطور الجنس البشري (قرار المجمع الفاتيكاني الفرح و الرجاء بند 44).

 على ضوء المجمع

أي غنى أعطانا المجمع في توجيهاتنا هذه. ولذا أثناء تهيئة اليوبيل طلبت من الكنيسة أن تتساءل حول تقبل المجمع. هل تم هذا؟ مع مرور الزمن لا تفقد هذه النصوص من قيمتها وسطوعها يجب أن تُقرأ بشكل ملائم وتُستوعب كنصوص مميزة للسلطة التعليمية ضمن تقليد الكنيسة. ومع انتهاء اليوبيل أرى من الواجب أن أبين أن المجمع كان النعمة الكبرى التي حازت عليها الكنيسة في القرن العشرين وهو لنا هداية في بدء هذا القرن .

الخاتمة : انطلق إلى العمق

لننطلق برجاء إلى الأمام. ابن الله الذي تجسد منذ ألفي عام محبة بالبشر لا يزال يعمل اليوم وقد أحيينا في اليوبيل خبرة حضوره والآن فهو يدعونا لننطلق ونتلمذ الأمم ونعمدهم. و يمكننا أن نعتمد على قوة الروح لننطلق في بدء هذا القرن على طرق العالم معتمدين على حضور المسيح في الافخارستيا وعلى العذراء مريم. رمز الباب المقدس أصبح وراءنا و لكن ليترك مفتوحاً الباب الحي الذي هو المسيح. بعد حماس اليوبيل لن نعود إلى الرتابة اليومية وإن كان حجنا أصيلا فقد أنعش أرجلنا للطريق الذي يبقى أمامنا. لنتمثل باندفاع القديس بولس "أنسى ما ورائي و أتمطى إلى الأمام فأسعى إلى الغاية للحصول على الجائزة التي يدعونا الله إليها من علُّ لننالها في المسيح " (فيليبي 3/13 ) ولنتشبه بتأمل مريم التي بعد حجها إلى القدس عادت إلى بيت الناصرة و هي تحفظ بأمانة في قلبها سر ابنها ( لوقا 2/51 ) ليت المسيح الذي رافق تلميذي عمّاوس و عرّف عن ذاته عند كسر الخبز يجدنا ساهرين ومستعدين للتعرف على وجهه. لنسرع نحو اخوتنا لنعلن لهم البشرى الكبرى :" لقد رأينا الرب" ( يوحنا 20/25 ) هذا هو ثمر يوبيل عام 2000 الذي وضع نصب أعيننا سر يسوع الناصري ابن الله فادي البشر. و إذ يختم اليوبيل ليفتحنا على مستقبل مفعم بالرجاء ليرتفع نحو الآب بالابن و في الروح القدس تسبيح و شكر الكنيسة كلها و بهذه الأمنية اوجه للجميع من أعماق القلب بركتي .

 

 

للعودة إلى رأس الصفحة

 

Designed by Mounir Kwefati