جمعية التعليم المسيحي في حلب - أحاديث لاهوتية - نبني معاً ثقافة التصافي والسلام للدكتور عادل تيودور خوري
     

جمعية التعليم المسيحي
الأحاديث اللاهوتية
للعام 2003 - 2004

 

البروفسور الدكتور عادل تيودور خوري

نبني معاً ثقافة التصافي والسلام

 
 

نحن جميعاً، شعوب الشرق الأوسط وجماعاته الدينية، نعيش معاً في بقعة واحدة ونخضع معاً لمصير واحد، ولنا معاً أمنية مشتركة أن يكون لنا حاضر مفلح ومستقبل ناجح في ظل الأمن والعدل والحرية والسلام.

ونحن جميعاً، نعيش في بقعة واحدة من العالم لا يمكن أن تقوم في عزلة عن التقلبات العارمة التي يتخبط فيها عالم اليوم، ولا أن تتجنب الخوض في الحركة الشاملة، حركة العولمة التي تدفع الشعوب والبلدان والحضارات والثقافات في تيار لا مناص منه، قد تنتج منه وحدة لا تتضح بعد جميع معالمها، ولذلك لا تزال بعض نواحيها تبعث على القلق وتدعو إلى التيقظ والعمل المتبصر الفطن.

وينعكس وضع العالم على وضع بلادنا في حاضرها ومستقبلها. فعالمنا تتقرب أجزاؤه بعضها إلى بعض رغم المشادات التي تُقلق سيره إلى الوحدة الشاملة. لم تتضح بعد من هذه العولمة إلا أبعادها الاقتصادية. ولكنها تجعلنا نوقن أنه لا يستطيع أحد من بعد أن يعيش في عزلة متكبرة، ولا تستطيع أي جماعة أن تضمن وحدها ازدهارها ومستقبلها. بل جميعنا مترابطون بعضنا ببعض، نعيش معاً، ونجهد معاً، ونسعى معاً، في حل مشاكلنا، ونعمل معاً على بناء مستقبلنا المشترك.

في هذا الوضع الراهن، ليس لنا سوى سبيل واحد: سبيل الوعي للوضع وأبعاده، وسبيل التطلع إلى المستقبل ببصيرة حازمة وعزم ثابت على العمل المثمر، وسبيل بناء مجتمع على أساس ثقافة التصافي والسلام.

أولاً- الوعي للوضع وأبعاده

1- تعزيز الحوار :

سبيل التفاهم والحوار تعترضه عقبات مختلفة، منها ما يداهمنا من حقبات تاريخنا الماضي ومنها ما ينبع من نقائص قد تعترينا ويجب التنبه لها. وإنه سيكون وعراً، هذا الطريق الذي يؤدي إلى التغلب على تاريخنا الحافل بالعداوة والصدام، وعلى حاضرنا الذي لا يزال يعكر صفاءه عدم الثقة والنزاع، هذا الطريق الذي من شأنه أن يوصلنا إلى مستقبل أفضل يضحي فيه المسيحيون والمسلمون ليس فقط في هذا البلد وفي هذا الشرق، شركاء وأصدقاء، فيسهمون معاً في بقاء أسرة بشرية واحدة.

مقابل النزعة الانعزالية يسعى القائمون بالحوار والتعاون بين المسلمون والمسيحيين إلى تصفية الأجواء في صفوفهم وتخطي الماضي والتشاور في أساليب التعاون بين الأمتين ومجالات العمل المشترك بينهم. وإنّ المؤتمر المسيحي الإسلامي الدولي الذي عقد في فيينّا من 14 إلى 16 أيار / مايو 1997 قد وافق مثلاً على توصية بهذا الصدد عن اقتراح قدّمه الزميل الأستاذ الدكتور علي مراد، أستاذ الإسلاميات في جامعة السوربون في باريس. وينصّ القرار على مايلي:

"إنّا نؤيّد عقد معاهدة صداقة بين المسيحيّين والمسلمين على أساس الأهداف التالية: بالنظر إلى عبء تاريخنا المشترك، نعلن عن رغبتنا وجهدنا في وضع حدّ نهائيّ لاتّهاماتنا المتبادلة وفي التغلّب على أخطائنا ومظالمنا بالغفران والتصالح المتبادلّين.

إنّنا لا نتنكر لهذا التاريخ بل نقابله جاهدين في استنباط عِبرَه وتخطّي نقائصه. إنّا نريد أن نبحث معاً عن الطرق المؤدّية إلى تسوية الخلافات بالوسائل السلمية وإلى تنحية أسبابها والحدّ من مظاهر التوتّر المختلفة.

أمّا بالنسبة إلى الحاضر والمستقبل، فإنّنا نريد أن نعمل معاً على أن نسهم إسهاماً مشتركاً في بناء حاضر أكثر إنسانية ونُعِدّ للأجيال المقبلة عالماً يستطيع فيه المسلمون والمسيحيّون أن يقيموا علاقة شراكة ويشدّوا أواصر الصداقة في ما بينهم.

إنّ معاهدة الصداقة هذه نعيها كانفتاح عريض على الكلّ وكدعوة موجّهة إلى الجميع".

إنّ مثل هذا القرار لمن دواعي الأمل بالنظر إلى مستقبل العلاقات بين المسلمين والمسيحيّين.

2- بعض العقبات التي تعترض ممارسة الحوار والتعاون :

إن العوائق الأساسية التي تعترض ممارسة الحوار هي:

1. أولاً التزمّت والانعزالية: التزمّت والانعزالية مقبرة الحاضر وهاوية تنهار في ثناياها آمال المستقبل. فمن ظنّ أنّه يملك حلّ القضايا جميعاً، لم يكن على وعي لأبعاد هذه القضايا وتشابك عناصرها. ويتعامى عن أنّ قضايا المجتمع لا تُحلّ إلاّ بمساهمة جميع أعضائه.

2. الجهل وانعدام الكفاءة: فمن لم يكن راسخاً في معرفة تراثه أو مبادئ اتّجاهه لا يصلح للحوار المثمر فإنّ الجاهل في أمور تراثه يتعلّق إمّا بالقشور السطحيّة، أو بالتقاليد العِجاف، خوفَ الغرق في خضمّ لا طاقة له عليه. ومن لا يعرف تراث شريكه في المجتمع الواحد ومبادئ اتجاهه، لا يُحسن محاورته ومشاورته. فأسوأ ما يمكن أن يصيب ديناً أو أمّة أو جماعة، هو الجهل المتعسّف والتعصّب الجاهل.

3. عدم الصبر على الفكر: وهذا الفكر يقوم بالتحليل المليّ للأمور في عناصرها ودقائقها، وقرائنها وترابطها. ومن الصبر على الفكر الشجاعة في تقبّل حقائق الأمور، وإن كانت في وضعها الراهن غير مرضية. ومن الصبر على الفكر الإقدام على النقد الذاتي، لتنوير الفهم وتصفية القلب والتنبّه إلى النقائص، لا النقائص التي تعتري الآخرين، بل النقائص التي تعترينا نحن. فنعمل على تقليص حجمها أو تنحيتها. عدم الصبر على الفكر خطبّ عصيب، والصبر على الفكر مدعاة للأمل باسترجاع العافية والتبصرّ المثمر في الأمور.

صحيح أنّ هناك في صفوف المسيحيين والمسلمين من يشكّ في ضرورة الحوار والتعاون أو في فائدتهما. ولكنّ هؤلاء يحكمون على أنفسهم وعلى مجتمعهم بالعزلة والانقباض على النفس، في زمن شرّع نوافذه للقاء مثمر بين جميع فئات المجتمع أو في عالم يوقن على حقّ أن الحوار هو وحده له مواعيد النجاح.

ثانياً- التطلّع إلى المستقبل

التطلّع إلى المستقبل يقتضي بصيرة حازمة وعزماً ثابتاً على العمل المثمر. فإن كنّا قد فهمنا ما تفرضه علينا الساعة من مهمة خطيرة، علمنا أن حاضرنا اليوم هو حاضر الجميع، ومستقبلنا مستقبل الجميع، وعلى هذا نركز أهدافنا وأساليب نشاطنا. ثم إننا على يقين أن الإسلام والمسيحية لديهما قيم كثيرة مشتركة.

1- أهداف عامة :

إن تمكنا, مسيحيين ومسلمين, من توجيه سلوكنا وفق القيم المشتركة بين الإسلام والمسيحية, استطعنا أن نشيد نظاماً اجتماعياً إنسانياً, يرتكز على احترام كرامة الإنسان ويستند إلى ثقافة السلام, تكون ثماره ما يأتي:

1. تنفيذ الحقوق والواجبات تنفيذاً رحيماً.

2. منح الأولية لحقوق الضعفاء, وتوجيه الاختيار في العمل لصالح الفقراء والمحرومين.

3. الاستعداد للمصالحة والتصافي, أولاً بين المسلمين والمسيحيين, ثم بين جميع أتباع الأديان في العالم.

فإنا نحن مسيحيين ومسلمين, دعاة العدل والسلام والمودة. هذا فرضه علينا نحن المسيحيين السيد المسيح في أنجيله. وهذا كلف به القرآن المسلمين في العالم.

فما بالنا لم نعِ بعدُ حق الوعي أن علينا أن نقوم بهذه الفرائض, لا وحدنا منعزلين, ولا جنباً إلى جنب في اتجاهين متوازيين, بل يداً بيد, متعاونين على العمل المشترك, فنسهم معاً في إيجاد الحلول المناسبة المشتركة, ونعمل على تنفيذها معاً في مبادرات مشتركة.

2- ثقافة السلام:

يمكن إذاً وصف صيغة مستقبلنا المشترك بأنّها تمكين عيش مشترك يسود فيه وعيُ المصير الواحد والترابط الأخويّ بين جميع فئات المجتمع الواحد. ويرتكز هذا المستقبل على ثلاثة مبادئ أساسية تنال الجميع ولا يجوز استثناء أحدٍ من أيٍّ منها.

1. المبدأ الأوّل هو إرادة العيش المشترك, والعمل على إحلال السلام. إذ إنّه طوبى لفاعلي السلام. وتفصيل ذلك:

- أن نفعل السلام في قلوبنا نحن. وأن نفعل السلام في عيالنا. وأن نكون دُعاةَ السلام في مجتمعاتنا.

- وأن نفعل السلام مع الآخرين, أي نتخطى خصومات الماضي والحاضر.

- وأن نفعل هذا السلام مع الآخرين, أي أن نعمل على تأليف مجتمع مشترك يضم الجميع, يضمنا نحن والآخرين.

- وأن نفعل السلام مع الآخرين, أي أن لا نتفرّد بتحديد مفهوم السلام وتطبيق أساليب الوصول إليه, بل أن نسعى معاً, فنفكر معاً, ونقرر معاً وننفذ معاً.

2. والمبدأ الثاني هو طلب المصالحة والتصافي. وهذا لا يعني أننا نتغافل عن صعوبات الماضي وعقبات الحاضر (وقد مرّ الحديث عن ذلك), بل نستفيد من عِبَر الماضي لتحسين أوضاع الحاضر, ونستفيد من تجارب الحاضر لبناء مستقبل مشترك أفضل.

إحدى النتائج العملية هي الاهتمام الفعال بمشروع أود أن أسميه " كتاب تاريخ التصالح والتصافي" بين المسيحيين والمسلمين.

وكتابة هذا التاريخ لها وجهان.

الوجه الأوّل أدبي, والآخر تنفيذي. أمّا الوجه الأدبي فينطلق من واقعنا الراهن. فنحن جميعاً نعرف جيداً وبالتفصيل تاريخ نزاعاتنا وصراعاتنا وعداواتنا. وكلّ منّا يسارع بالشكوى من مظالم الآخر. ولكننا لا نعرف إلاّ معرفة ناقصة تاريخ تصافينا, وتاريخ التبادل الثقافي والاجتماعي والتعاون, وتاريخ صداقاتنا. ولذلك فمن المهمّ أن نستنبط تاريخ المصالحة والتصافي من ظلمات الماضي ووثائقه, وأن نتفحص دلائل التصافي والمصالحة في علاقاتنا في الحاضر في الوطن وبلاد شرقنا العربي وفي العالم الواسع. وبذلك نمهد لبناء حاضر أفضل, ولبناء مستقبل تسود فيه العدالة والمودة بين المسيحيين والمسلمين.

أما الوجه التنفيذي للمشروع فيقوم على مباشرة بناء هذا الحاضر الأفضل ومستقبل العدالة والمودة. ولدينا في هذا المجال إمكانيات عديدة. منها إحياء الندوات التواصليّة. وإنشاء الأعمال والمشاريع المشتركة, والتعاون في مجال الثقافة والفكر,وتبادل الزيارات الودية بين المعاهد المختلفة, فتنشأ صداقات بين أجيال شبابنا وتزهر أحلام مشتركة بينها, فيسهل تنفيذ تاريخ التصالح والتصافي, لا في الكتب والمقالات فقط, بل في الحياة والواقع الحسي. فيكون ذلك إرشاداً للأجيال التالية... وهكذا ننفتح لما يعني المبدأ الثالث الذي يسيّر فكرنا وعملنا.

3. " أحبوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم". هذا ما قاله السيّد المسيح.

وجاء في القرآن الكريم في سورة المائدة:" ولَتجِدنَّ أقربهم مودّةً للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى" (82:5)
فنحن إذن أقرباء بعضنا لبعض, ونحن أقرباء جميع الناس. والناس جميعاً, لهم علينا دين دائم, هو المحبة والمودة.

من هنا يتضح واجبنا في العمل على توثيق التضامن مع الجميع, وعلى تنفيذ هذا التضامن, أي تضامن الجميع مع الجميع, فالقضية قضية حقيقة القناعة الباطنة, حقيقةٍ توضَع موضع التنفيذ, وقضية محبّة شاملة تطبَّق على الجميع.

4. وهذا يعني- وفي هذا عودة إلى ما ذكرت آنفاً – أنّه من المهم جداً أن يسعى المسيحيون والمسلمون معاً في جعل العلاقات بين الأفراد والجماعات تسودها عدالة أخوية, أي عدالة لا تحترم الحق الصارم فقط, بل تعامل الناس بالرحمة والمحبة.

وهذه العدالة الأخوية تقوم على تساوي جميع الناس كخلق الله. وجميع الناس في حاجة ذاتية إلى المشاركة في العلم والعمل, وفي المعرفة والرأفة, إذ إنّ جميع الناس يؤلفون أسرة كبيرة واحدة, يجمعهم تضامنٌ شامل وأخوةٌ شاملة. وهذا التضامن وهذه الأخوة ليسا فقط من المندوبات. بل هما من الواجبات, إذ إنّهما يعبرِّان عن مسؤولية الجميع عن الجميع.

ويجب لذلك أن يكوّنا ركيزة النظام الاجتماعي والسياسيّ ومبدأ عدالةٍ أخوية تشمل العالم كلّه.

3- بناء المستقبل المشترك :

إننا مسيحيين ومسلمين, نظراً إلى وعينا لمسؤوليتنا المشتركة في سبيل إقامة نظام إجتماعي عادل, يقع على عاتقنا واجب التضامن بعضِنا مع بعض وجمعِ قوانا وتشغيل إمكاناتنا لإيجاد حلول موافقة لمشاكل عالمنا المشترك.
على المسلمين والمسيحيين في بلادنا هذه وفي العالم كلّه, عليهم أن يُضحوا شركاء يعمل الواحد منهم مع الآخر. أجل, وهناك أكثر من ذلك. عليهم أن يُمسُوا أصدقاء يعمل الواحد منهم في سبيل الآخر ويعملون معاً في سبيل البشرية جمعاء, أصدقاء تربطهم بعضهم ببعض أواصر المودّة.

فأن نريد أن نبني حاضرنا ومستقبلنا, هذا أمر يزداد إلحاحاً, إذا اعتبرنا أنّا نعيش في عصر تنمو فيه وحدةٌ تشمل جميع الناس, وحدة الحاضر – ووحدة المستقبل – ووحدة المصير.

فلا يحقّ لأحدٍ أن يحتكر الحاضر أو المستقبل لنفسه على حساب الآخرين. بل حاضرنا حاضر الجميع بالتعاون والتضامن مع الجميع. ومستقبلنا مستقبل الجميع بالتعاون والتضامن مع الجميع.

لا جَرَم أن الانتقال من باب الرؤية والنظرات المستقبلية إلى الواقع الحاضر والتطبيق العملي تعترضه عقبات متنوعة, ولكنه يمكن أن يقوم على العزيمة والصبر والجهد.

ونحن على يقين من أن الدين لا يفرّق. الدين يجمع. فكلّ من توجه إلى ربّـه والتمس وجهه بصفاء النية وصدق القلب فهو أصلاً أخي في وحدة أساسية,مهما كانت الفروق في العقائد والتفاسير الدينية. ونلتقي معاً على رأس الدرب, ونحاول أن نسلك سبيل الإيمان ودروب العدل والسلام والمحبة, لعلّنا نلتقي في وحدة أوسع ونشترك في عمل ناجح على نطاق أوسع.

ثمّ إننا على يقين من أن العمل المشترك لا يحمل على النزاع. العمل المشترك يقرّب, إن قام به الشركاء بنزاهة وانفتاح, وإخلاص وتصارح في الرأي, ومودّة في النقد. ومثل هذا التعاطف من دعائم ثقافة السلام.

فنحن بحاجة إلى تعاطف ناقد, وتصافٍ صادق, وتصالح ودّي, وتعاون مقدام.

واتكالنا على الله. وإليه نفوّض أمرنا. فهو ربّ الحاضر والمستقبل. هو ربّ البشر وربّ تاريخهم. وعنده الكلمة الأخيرة والحكم الأخير. وبما أن الله رحمة ومحبة, فأملنا ورجاؤنا أن تكون كلمته على تاريخنا كلمة الرضا وحكمه على حياتنا حكم الرحمة والمحبة.

 

للعودة إلى رأس الصفحة

 

Designed by Mounir Kwefati