جمعية التعليم المسيحي في حلب - أحاديث لاهوتية - صرخة أيوب للأب فوزي نصري اليسوعي
     

جمعية التعليم المسيحي
الأحاديث اللاهوتية
للعام 2003 - 2004

 

الأب فوزي نصري اليسوعي

صرخة أيوب

 
 

مقدِّمة

أولا ما معنى كلمة صرخة؟

بحسب المنجد: صرخ صراخا، أي صاح شديدا، استغاث، العامة تقول "صًرًخ له" أي ناداه.

بحسب لسان العرب: الصرخة: هي الصيحة الشديدة عند الفزع أو المصيبة، وقيل الصارخ المستغيث.

من هو أيوب؟

أيوب هو رجل صالح يمدحه الله : "كان هذا الرجل كاملا مستقيما يتقّي الله ويجانب الشر (...) وكان ذلك الرجل أعظم أبناء المشرق جميعا" (سفر أيوب) يقدم لنا أيوب الإنسان الكامل في غناه واستقامته والذي يتقي الله ويحبه مجانا لأن علاقته بالله غير مبنية على المصلحة والمنفعة.

تهلك مواشيه وممتلكاته وأولاده ، ورغم كل هذا ومع أنه لا يعرف سبباً لما يحدث له، يرفض أن يترك الله أو أن يجدِّف عليه: "عريانا خرجت من جوف أمي وعريانا أعود إليه، الرب أعطى والرب أخذ فليكن اسم الرب مباركا" (1/21)

يظل أيوب أمينا لله، حتى عندما ينطرح أرضا، فإنه يؤكد أن هذه الأمانة لن تتزعزع ولن ينالها الشك، و بفعل الإيمان نفسه يرد أيوب بدون أن يدري على سؤال الشيطان: " أمجانا يتقي أيوب الله؟". يحاول الشيطان أن يجد ردا على هذا التساؤل في الأرض، مستخدما الألم الذي يكشف دوافع الإنسان ويحاول أن يشكك الإنسان في الله والله في الإنسان. ولكن الله في الواقع هو الذي يحاول أن يعلن عن قوة حبه في قلب الإنسان: "أمِلتً بالك إلى عبدي أيوب؟ فإنه ليس له مثيل في الأرض. إنه رجل كامل مستقيم يتقي الله ويجانب الشر، والى الآن متمسك بكماله".

لقد خسر الشيطان الجولة الأولى، لكنه حاول مرة أخرى طالبا أن يصاب أيوب في شخصه وفي جسده: "وضرب الشيطان أيوب بقرْحٍ خبيث من أخمص قدميه إلى قمة رأسه" (2/7) وسقط أيوب في البؤس المطلق، وعلى الرغم من ذلك لم تضعف ثقته بالله ولم يتذمر أو يتفوه بكلمة سوء على الله حتى إن امرأته استغربت موقفه فقالت له: "إلى الآن تتمسك بكمالك؟ جدّفْ على الله ومت". فقال لها "إنما كلامك كلام إحدى الحمقاوات. أنقبل الخير من الله ولا نقبل منه الشر؟ في هذا كله لم يَخْطَأ أيوب بشفتيه" (2/9-10)

دام صمت أيوب سبعة أيام وسبع ليال، وها هي صرخته تمزق الصمت و تقطعه. إنه لعن يوم مولده ويتمنى الموت،لكنه لم يلعن الله. إنها صرخة المتألم الذي يتساءل عن معنى لما يحدث له! لا يرى معنى لحياته. أمام الآلام،يصبح الكون والحياة بلا معنى. بل أكثر من ذلك، يفضي الألم بالإنسان إلى تفضيل الموت على الحياة. الآلام هي عبث ولا معنى لها، تخلع عن الحياة جمالها ومعناها.

يأتي الأصدقاء عند أيوب كي يعزوه، وإذ به يجدهم يتهمونه. فإن مفهومهم عن الله يختلف عن مفهوم أيوب: إنهم يؤسسون العلاقة بين الله والإنسان على مبدأ الثواب والعقاب، المبادلة والمقايضة، وبما أن الله عادل فإن ما يصيب أيوب هو عقاب له على ذنوب قد ارتكبها. لذلك فإنهم لا يعتبرون أيوب بريئا. يؤمن أيوب بالله ويعترف بقدرة الله على كل شئ. لكن هذا الاعتراف الإيماني المبدئي لا يردّ على التساؤلات التي يطرحها الألم: لماذا؟ بل أكثر من ذلك فإنه لا يعيد السلام والنور إلى علاقة أيوب بالله التي اهتزت تحت وطأة الألم. يصرخ أيوب مطالبا ببراءته كحق له لأنه رجل بار، لكن أصدقاءه ينفون عنه حتى هذا الحق. انهم يعتبرون حالته عادية وطبيعية: إذا كان أيوب يتألم فلاشك أنه ارتكب خطايا توجب عقابا إلهيا ويجب أن يعترف بخطاياه ويتوب.

بعد وصول الأصدقاء تصبح الصورة قاتمة فجأة، ويطلق أيوب لنفسه العنان في التعبير عن يأسه. الآن يبدو الله نفسه وكأنه تخلّى عنه، والحاضر تعيس، والمستقبل ليس أكثر إشراقا من الماضي والحاضر (7/6)، إن خيبة أمل أيوب في أصدقائه قوية، فهو من جهة يشعر بأن الله تركه، ومن جهة أخرى أن أصدقاءه لا يرحمونه:" ارحموني ارحموني انتم أصدقائي لأن الله أحزنني" (19/21).

لكن الأصدقاء يعجزون عن الوصول إلى ما يسبب ألام أيوب فيصاب أيوب بصدمة. يمكنه أن يصرخ ويعلن براءته، ولكن خبرته الشخصية لن تفوق أبدا رأي الحكماء. وبدلاً من أن يقف الأصدقاء مع أيوب في محنته، وأن يدخلوا في ألمه ويشاركوه فيه، يبرهنون له أنه خاطئ يستحق جزاءه. هؤلاء الأصدقاء كانوا يعتقدون أنهم يملكون الحقيقة: "هذا ما فحصناه وهو الحق فاسمعه وانتفع به" (5/27)

صرخة أيوب

أيوب يرد على الحكماء موضحا لهم أن معرفتهم ناقصة، بل وينفي عنهم الحكمة (راجع الفصل 12و13):" فأنتم تلفٍّقونَ الكلام وتُطَبِّبونَ و طِبُّكم باطل من لي بأن تسكتوا فيكون لكم في ذلك حكمة" (12/4-5) "وما تعلمون فإني أنا أيضا أعلمه (...) لكني إنما أود أن أخاطب القدير وأود أن أجادل الله (13/2-3).

نظرية أصدقاء أيوب تتلخّص في أن الإنسان لا يمكن أن يكون بارا أمام الخالق: "أيكون الإنسان بارا أمام الله أم الرجل طاهرا أمام صانعه؟"(4/7-8). وليس موقف أصدقاء أيوب غريبا عنا،فنحن نطرحه على أنفسنا عندما نتعرض لمكروه: يا ترى ماذا فعلتُ لأستوجب ذلك؟ ما خطأي كي أتألم كما أتألم الآن؟

صرخة الحياة

أول طريق الخلاص صرخة، وصرخة قويّة مدويّة، هي صرخة كل إنسان متألّم. أوّل طريق الخلاص هو صرخة الألم التي ترفض الألم وتدين التدمير والتحطيم اللذين يدخلهما الألم إلى الحياة. أوّل طريق الخلاص هو التعبير عن مدى التحطيم والتشويه اللذين يسببهما الألم في الإنسان. وهذه الصرخة موجهة نحو الله كتساؤل حار، كحيرة مريرة، كاستفهام قوّي وملح ّ: لماذا؟ لماذا؟ هذا هو السؤال الأساسي الذي يوجّهه أيوب إلى الله، فهو الوحيد الذي يملك الرد عليه.

لماذا أخرجتني من بطن أمي؟ إنها تساؤلات تحمل في طيّاتها نبرة تمرّد لكنها تظل داخل نطاق حوار الإنسان مع الله. فهي إذن تحمل في طيّاتها رجاء وطلبا للخلاص. هي صيحة رجاء لأنها تعدّت صمت الموت الذي يحمله الألم، وهي طلب للخلاص لأنها تؤمن بالحياة بالرغم من الموت الذي يجلبه الألم.

مصائب أيوب تضربه في ممتلكاته وأبنائه وأخيرا في جسده. إن كل متألم يستطيع أن يرى نفسه في شخصية أيوب. "لماذا الألم"؟ وما السبب؟ ومن المسؤول؟

لم يُجب سفر أيوب، بل أكثر من ذلك رفض التبريرات الزمنية الشائعة المبررة للألم. لكنه أظهر أن الحب المجاني هو أساس العلاقة ين الله والإنسان. لن نجد إجابة واضحة، نهائية وشافية على هذا السؤال! فالألم سر في حياة الإنسان والعالم، والسؤال "لماذا الألم"؟هو سؤال تلقائي وبديهي على لسان كل إنسان وخاصة الإنسان المتألم. إنه سؤال صحيح لأنه يعني أن الإنسان يفهم أنّ الألم شر لا معنى له، وأنه يجب مواجهته والتخلص منه. لن نجد في الكتاب المقدس كله دفاعا عن الألم ولا طلبا للألم ولا استمتاعا بالألم. لكن الألم لن يُقهَر بالإجابة على هذا السؤال فقط ، بل بمواجهته من طرفنا بكل الوسائل المتاحة، وبرفضنا لكل تبرير له، وبمساهمتنا في تحرير المتألمين والمظلومين.

يقول الأب فرنسوا فاريون في كتابه "فرح الإيمان بهجة الحياة"، تحت عنوان هل الحياة لها معنى؟

"هناك لا معنى. فتلك الفتاة التي في سن العشرين، والتي أزورها في المستشفى، مطّلعة على حقيقة حالها: إنها مصابة بالسرطان وستموت بعد بضعة أشهر، مع أنها جميلة جدا وموهوبة وكانت تتوقع مستقبلا رائعا. في نظرها وفي نظر الأقرباء، أن يحصدها الموت في سنّ العشرين هو أمر لا معقول ولا معنى له. قالت لي "أتمرد". لم استنكر تمرّدها، بل أجبتها: "أتمرد معك". فتعجبت، لظنها أني سأقول لها إن التمرّد خطيئة. أمام اللامعنى، أمام اللامعقول، التمرد موقف صائب. المسيحي هو القادر على إضفاء معنى على ما لا معنى له. وهذا ما قلته لتلك الفتاة في المستشفى، في مرحلة ثانية، بعدما تمرّدت معها على لا معنى موتها الباكر: هل نبقى عند هذا الحد؟ هل تعتقدين بأنك تستطيعين أن تُضْفي معنى على حَدَث الموت هذا، علما بأنه غير معقول ولا معنى له؟ أو ليست عظمة حريتنا في أن المعنى لا يكمن في الأشياء ، بل في أنه علينا نحن أن نضفي معنى على ما لا معنى له؟ "

تبريرات الألم

نسمع تبريرات كثيرة للمصائب والآلام، لكنها في أغلب الأوقات خاطئة وفي جميع الأحوال لا تساعد المتألم على اكتشاف معنى لحياته بالرغم من الألم.

يحاول بعضهم التخفيف عن ألم الناس، فيقولون في أحاديثهم الروحية للمتألم: "‘ن كنت تتألم فذلك علامة حب الله لأنه يجرب من يحب". فيجيبهم المتألم: يا ليته يحبني حبا أقل فالألم يعصرني عصرا. ويمكننا أن نضيف إلى أسئلة أيوب أسئلة جديدة:

كيف يتحوّل ألم بلا معنى إلى قوة خصبة للحياة؟ كيف يتحول مصدر اليأس في حياة إنسان إلى رجاء للآخرين؟ كيف يصير ما هو غير أدمي في حياة شخص إلى قوة تحرير للآخرين؟ كيف يقبل الله تقدمة ما يشوه الإنسان ويحوله إلى دودة حقيرة؟ كيف يفرح حين ينظر إلى الإنسان في هذه الحال؟

مصير كل محاولة لشرح أسباب الألم بطريقة نهائية وشاملة هو الفشل. فهي تسعى الى التبرير، ولكنها لا تساعد الإنسان المتألم على مواجهة ألمه وعلى توجيه حياته، بل تزيده ألما على ألم. كل محاولة للشرح تبحث عن سبب الشر في الواقع لا يمكن تفسيره وتبريره. والكتاب المقدس يحثّنا على تجاوز منطق السببية ويدعونا إلى أن ننظر إلى الخليقة بلغة العطاء والحب والمشاركة. كل النظريات لا تستطيع أن تفسّر الشر بشكل مقنع، فالشر لا يمكن تفسيره أو تبريره. يقول الأب فاريون: "كل تفسير للشر هو عقيم وغير كاف ... وأنه يجب التخلي النهائي عن إيجاد تفسير ووظيفة وغاية للشر والألم، لا تفسير للشر حتى داخل الإيمان. لا يوجد الشر ليُفهَم بل ليقاوم.

الإصغاء للمتألم هو إذا أفضل من إعطائه تبريرات تؤذيه بدلا من أن تعزّيه. يقول أيوب " اسمعوا قولي سماعا ولتكن لي منكم هذه التعزية، اصبروا عليّ فأتكلم وبعد كلامي تسخرون"(21/3). ذلك يُفهمنا كم قد تكون أحاديثنا للأشخاص المتألمين كالسكاكين التي تُغمد في جروحهم، وكم يصبح استماعنا إليهم تعزية لنا.

إيمان على المحك وهو طريقه نحو الله والآخرين

عندما وجد الألم مكانا له في حياة أيوب،أصبحت علاقته بالله علاقة صراع. وخيبة الأمل تغذّي عدم الصبر وعدم الصبر يتحول إلى يأس، وهنا تكمن عظمة أيوب في دفاعه عن نفسه وفي بحثه الدؤوب عن فهم ما يحدث له، وفي إلحاحه على الله كي يكلمه ويرشده. ويحاول أيوب بشتى الطرق أن يجد ثغرة منها ينفذ من ظلام اليأس إلى نور الإيمان، منها يستطيع أن يفهم أو يخمّن تصرّفات الله ويجد أمامه ثلاث إمكانيات:

• إما أن الله قد نسيه، وفي هذه الحالة يجب عليه أن يسرع بتذكّره قبل أن يندم ويحزن عليه كصديق: "ستكون عيناك عليّ وإلا لن أكون" (7/8).

• وإمّا أن الله سئم أيوب ويرى فيه عالة عليه أن يتخلص منها: "إذا خطئت فماذا فعلت لك يا رقيب البشر؟ ولمً جعلتني هدفا لك حتى صرتُ عبئا عليك؟" (7/20)

• والاحتمال الأقسى: لقد تغيّر الله وأصبح إلها قاسيا (30/21).

إن أيوب إذ يتناول هذه الجوانب السلبية، يحصل على صورة عكسية للإله الذي ينتظره ولذلك فإن ردود أفعاله تتأرجح: فأحيانا يبدو وكأنه يتخلى عن البحث عن إلهه المستقل (29/4) ويقول له "اتركني،أدر وجهك عني" (7/19). وهو يتحدى " أعلمني على أي شئ تخاصمني"(10/2)، ويختفي وراء هذا التحدي الإقرار بالبراءة. وبالرغم من ذلك لا يتخطى أيوب حدوده (6/26) ويعلن بتصرفه أنه يواصل المسيرة تجاه هذا الإله الذي يدعه يتألم. ومن الملاحظ أن أيوب لا ينكر أبدا الماضي، السنوات الماضية السعيدة التي كان فيها الله معه. وهذه الأمانة في تذكّر الماضي تضاعف من ألمه. ولكن تأتي من بعيد ومضات الرجاء التي تفتح أمامه الآفاق من جديد. إنها لحظات قصيرة وسريعة وغير متوقعة تسعد شكواه وتخفف من ألامه. عندئذ يعترف أيوب بأن الله هو الصديق الوحيد الذي يستطيع أن يسكب نفسه أمامه بدون أن يخجل منه (16/20). ويؤكد اقتناعه بأن صرخاته ستصل إليه ويسمعها: "لي شاهد في السماء ومحام عني في الأعمال (16/9) ويهوه يكتفي بأن يكون حكما عادلا بين أيوب وبين أعدائه، انه سيكون كافله: "أجعل كفالتي لديك" (17/3).

الظهور الإلهي

تزداد صورة الله وضوحا في ضمير الإنسان وقلبه المتألم، ولكن على أيوب أن ينتظر الظهور الإلهي حتى يفهم تماما إرادة الله. يستطيع خطاب الله الطويل (الفصول 38-42( أن يزيل كآبة أيوب. رويدا رويدا يجد شاهد يهوه مكانه الصحيح في العالم ومكانته الصحيحة أمام الله. لقد قاده الله إلى نهاية حدوده لكي يكف عن الاصطدام بها ويعترف بها ويقبلها. ويفهم أيوب أخيرا أن أعمال الله كلها قوة وحنان وأن نظرة الله إلى الإنسان تنبع من حب مجاني خلاق، وهذا هو الأساس الذي يمكّن من التقاء الله بحرية. لقاء الإنسان لله ولقاء الله للإنسان، هو لقاء بين حريتين، ومبدأه أن الله أحب أولا حبا عظيما مجانيا. الألم الذي ينحر في أيوب لن يقوده الى الفناء، وهذا هو رجائه في قلب المحنة. يكتشف أيوب نفسه محمولا ومأخوذا داخل نظرة حب شاملة ومجانية. وهكذا يجد أيوب السلام والنور لحياته: "كنت قد سمعتك سمع الأذن، أما الآن فعيني قد رأتك، فلذلك أرجع عن كلامي" (42/5-6).

لقاء أيوب لله هو لقاء حر ومجاني. كفى أيوب أن الله حاضر في حياته، يقف بجانبه في غضبه على الألم وفي رفضه للألم، وكفى أيوب أن الله معه، يدافع عنه أمام الظلم الذي وقع عليه وعلى الآخرين.

على أيوب آلاّ يستسلم للألم ويواجه الواقع منفتحا على آلام الآخرين وهذا ما فعله. من هنا نفهم مسيرة أيوب نحو الله، فقد مرّت بالحوار الغاضب والرجاء الواثق. إن أيوب يصل إلى الرجاء المطمئن في محرر فادٍ: " أعرف أن شفيعي حي وسأقوم آجلا من التراب فتلبس هذه الأعضاء جلدي وبجسدي أعاين الله" (19/25-26). الرجاء هنا هو الثقة في وفاء الله بوعوده.

لم يستطع أصدقاء أيوب أن يمنعوه من الصراخ، فصرخة أيوب هي صرخة الألم، صرخة اليائس ولكن هذه الصرخة هي بوابة العبور إلى ملاقاة الرب الذي هو، من قلب العاصفة، ينادي أيوب. لكن على أيوب أن يغيّر صورته عن الله. قد يراه مختلفا عن الإله الذي عرفه، بل إنما نستطيع أن نقول أن نظرة أيوب قد اختلفت. هذه النظرة الجديدة جعلت أيوب يعبر صحراء الياس والتمرد حتى يصل إلى غايته: لقاء الرب. كان على أيوب آن يصارع الإله الذي فيه يضع رجاءه، انه يهرب من الإله الذي يرغب في أن يلتقيه. على أيوب أن ينزل إلى عمق بؤسه وألمه وعندما يوجد في عزلته وحيدا يصعد من جديد إلى قمة الرجاء. فهم أيوب أن الرجاء يبدأ عندما ينتهي الأمل.

أهمية سفر أيوب تأتي من أننا لسنا أمام عرض للألم، لكننا أمام إنسان يتألم. إن آلام أيوب تلتقي آلامنا، أيوب يرفض الألم وما يسببه له (ونحن أيضا) لذلك يتمرد. و كأن الله يقبل هذا التمرد من الإنسان الباحث عنه والذي يسير في اتجاهه، أي آن هذا التمرّد يُرافَق برغبة عميقة في اكتشاف الله.

خاتمة

قراءة سفر أيوب تجد بعدها الرعوي في التوفيق بين طرفين، من جهة الشخص المتألم ومن جهة أخرى "المرافق" الذي يقترب من المتألم. بالنسبة إلى المتألم كلمات أيوب هي دعوة إلى مواجهة الألم بشجاعة، مواجهة تزيل التخيلات والتصورات الخاطئة. شجاعة في طرح الأسئلة الحقيقية تلك التي يطرحها الألم على حياة الإنسان من دون محاولة التهربّ منها. شجاعة الانتقال من مرحلة إلى أخرى ومن حالة إلى حالة. التحوّل من معاتبة الله إلى تسبيح الله عبر طريق الألم.

بالنسبة إلى من يحاول الاقتراب من شخص متألم، عليه أن يسمع، بل أن يصغي أكثر مما يتكلم. أن يبتعد تماما عن موقف الشفقة وأن يكون دقيقا في أقواله وفي مواقفه. عليه أيضا أن يرفض الخوف أمام هذه المغامرة وأن يتحلى بفن الحوار.

محبة الله سر عميق وكبير لا تحوطه نظريات ولا تقيّده تفسيرات. وكل تبرير للألم يجرح حب الله للإنسان وينال من أبوته الفياضة للبشر. محبة الله تدعو إلى الحرية والمجانية. هي نور يضئ الطريق الذي ينفتح أمام الإنسان المتألم ويدعوه إلى التقدم واثقا في النصر على قوى الألم والظلم والقهر. محبة الله كبيرة، لا يحدّها فكر أو لاهوت، لان المحبة تحب بدون سبب، وبدون استحقاق، وبلا حدود. لقد راهن الله على حب أيوب المجاني له ونجح. وأنا؟

 

للعودة إلى رأس الصفحة

 

Designed by Mounir Kwefati