.0 { font-family: Simplified Arabic; font-size: 12pt; color: #800000; font-weight: bold; list-style-type: decimal } --> جمعية التعليم المسيحي في حلب - الأحاديث اللاهوتية - كلمة الله خبزنا اليومي للمطران أنطوان اودو
     

جمعية التعليم المسيحي
الأحاديث اللاهوتية
للعام 2004 - 2005

 

 المطران أنطوان أودو

كلمة الله خبزنا اليومي (القسم الأول)
(حز 2/1-3/1-3)

 
 

فقال لي: "يا ابن الإنسان، قم على قدميك فأتكلم معك". فدخل فيّ الروح، لـما تكلم معي وأقامني على قدمي وسمعت المتكلم معي. فقال لي: "يا ابن الإنسان، إني مرسلك إلى بني إسرائيل، إلى أناس متمرّدين قد تمرّدوا عليَّ، فقد عصوني هم وآباؤهم إلى هذا اليوم نفسه. فأرسلك إلى البنين الصِلاب الوجوه القساة القلوب، فتقول لهم: هكذا قال السيد الرب: سواء أسمعوا أم لم يسمعوا، - فإنهم بيت تمرُّد - سيعلمون أن بينهم نبياً. وأنت يا ابن الإنسان، فلا تخف منهم ولا تخف من كلامهم، لأنهم يكونون معك عُلَّيقاً وشوكاً، ويكون جلوسك على العقارب. من كلامهم لا تخف ومن وجوههم لا ترتعب، فإنهم بيت تمرُّد. فكلِّمهم بكلامي، سواء أسمعوا أم لم يسمعوا، فإنهم تمرُّد.

وأنت يا ابن الإنسان، فاسمع ما أكلِّمك به، لا تكن تمرُّداً كبيت التمرُّد. افتح فمك وكل ما أناوِلُك". فنظرت فإذا بيدٍ قد مُدَّت إليّ وإذا بسفرٍ فيها، فنشره أمامي، وهو مكتوب فيه من الوجه والظهر، وقد كتبت فيه مراثٍ ونواحٍ وويل.
فقال لي: "يا ابن الإنسان، كُلْ ما أنت واجد، كُلْ هذا السفر واذهب فكلّم بيت إسرائيل". ففتحت فمي فأطعمني ذلك السفر، وقال لي: "يا ابن الإنسان، أَطعِم جوفك واملأ أحشاءك من هذا السفر الذي أنا مناوِلُك". فأكلته فصار في فمي كالعسل حلاوة.

مقدمة

عاش الشعب العبراني في الصحراء خبرة المنّ الذي أنزله الله عليه طعاماً من السماء، فتعلّم أنّه "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله". فكلمة الله بالتالي هي طعام الإنسان، هذا ما يريد أن يقوله لنا الكتاب المقدّس. وأن يأكل الإنسان الكلمة، تلك هي الخبرة القويّة التي سوف يعيشها الأنبياء عندما يكتشفون نداء الله الأول في حياتهم. كيف باستطاعة النبي أن يقول كلمة الله قبل أن تدخل فيه، وقبل أن يهضمها، وقبل أن تصير جزءاً من كيانه؟

نلاحظ في حياة الأنبياء أن هناك صلة وثيقة بين زمن دعوتهم، أعني عندما يسمعون نداء الله في حياتهم من أجل مهمّة ما، وما بين شعورهم بضرورة الإصغاء إلى كلمة الله وحتّى أكل هذه الكلمة.

وبين الأنبياء الكُثُر في العهد القديم، تبدو خبرة النبيّ حزقيال ذات طابع خاص في ذلك المجال، وهذا ممّا جعلنا نطالع الفصول الأولى من سفر هذا النبي في سبيل التعمّق في موضوع كلمة الله من حيث هي طعام الإنسان المؤمن.

فحزقيال هو إنسان الكلمة، لأن كلمة الله تنقضّ عليه وتستولي على روحه فيستسلم لها بالرغم من كلّ مخاوفه وضعفه:

"كانت كلمة الرب إلى حزقيال بن بوزي الكاهن، في أرض الكلدانييّن، على نهر كَبار، وكانت عليه هناك يد الرب" (حز 1/3).

يصف النبي في هذا المشهد لقاءه مع الله، وكأن الأمر يضعه في حيرة ممّا يحمله على استعمال صور مختلفة للتحدث عن هذه الخبرة الفريدة. فلننظر إلى الأسلوب المتّبع في وصف لقاء النبي مع ربه.

تحتوي اللوحة على مركبة، وعلى أربعة حيوانات لها هيئة بشر، وعلى عرش، وقد جلست عليه هيئة كمنظر بشر. وفي المشهد أيضاً دواليب تدور . . .

ونستنتج من هذه اللوحة الغريبة أننا أمام حركيّة هائلة مدهشة، وفي قلب هذه الحركية يتفجّر النور والنار، ويُسمع ضجيج قوي يشبه هدير المياه العتيّة.

أمور خارقة، لم يعتدها نظر الإنسان ولا سمعها. وفي قلب ذلك كلّه صوت ينطلق من وسط هذه العناصر الهائلة ويتوجّه إلى النبيّ:

"فنظرت وسقطت على وجهي وسمعت صوت متكلّمٍ، فقال لي" ( حز 1/28 ).

تأهّب وإصغاء

بماذا يأمر هذا الصوت؟ إنّه يأمر بالانتباه التامّ، ويشدّد على أن تكون الآذان صاغية، وأن يكون الجسد بأكمله في حالة من التأهب:

"يا ابن الإنسان، قم على قدميك فأتكلم معك" (حز2/1).

"قم على قدميك": هل يعني هذا الأمر أن يقف السامع لكي يسمع بشكل أفضل؟ لا شك أن الوقوف، وهو عكس تمدد الجسم على الأرض، يشير إلى حالة مؤاتية للإصغاء. إلا أن حالة الوقوف ليست جسدية فقط، فهي أكثر من جهد عضلي يقوم به الإنسان فلكي يقف الإنسان بشكل متأهب لا بد له من أن يفتح قلبه على الروح، وأن يدعَ هذا الروح يحيط به:

"فدخل فيَّ الروح، لما تكلّم معي وأقامني على قدمي وسمعت المتكلم معي" (حز2/2).

هو الروح الذي يجعل الإنسان يقف على قدميه ويفتح أذنيه استعداداً للإصغاء إنه يَهَب المقدرة على السمع وعلى فهم ما يقال. فالإنسان لا يستطيع أن يكون بأكمله أُذُناً صاغية ما لم يخضع لهذه الشروط. فليس الجسد المتنبهُ أمراً مرتبطاً بالإنسان فقط، بل هناك أكثر من ذلك، فلابد لهذا الإنسان أن يفتح قلبه على سُكنى الروح. فلكي يسمع الإنسان كلمة الله بشكل عميق، عليه أن ينقاد إلى الروح. وهكذا ينطلق صوت من أعلى السماء وماذا سيقول؟ إنه يرسل حزقيال نبياً إلى شعبه.

الرسول

يصفُ هذا الصوت الإلهي أولاً الرسول وما يُنتظر منه، ومن الشعب الذي أُرسل إليه: فعلى الرسول والشعب أن يُصغيا إلى كلمة الله. باستطاعتنا أن نقول إن الإصغاء هو محور الأحداث والعلاقات القائمة بين مختلف الأشخاص. هل يتحلّى هؤلاء الأشخاص بموقف الإصغاء؟ وهل لهذا الإصغاء نَفَسٌ طويل يتجاوز المكان والزمان وما يحتويان من أحداث وتحديات؟ هذا هو السؤال! فانفتاح الأذن على الإصغاء أو انغلاقها هو الذي يوجِّه الجسد بأكمله ويعطيه نوعاً ما شكله الخارجي. فعندما تنغلق الأذن على ذاتها، فإنها تجرفُ وراءها تياراً من الانغلاقات التي تُشكل سلسلة من الرفض والقساوة.

يرسل الله حزقيال لكي يكون النبي في وسط الشعب، لكي ينقل كلمة الله، ويكون رسوله:

" فأرسلك إلى البنين الصِلاب الوجوه القساة القلوب، فتقول لهم: هكذا قال السيد الرب" (حز2/4). عندما يصبح الإنسان نبياً مُرسلاً من الله، فإنه يتحول إلى فَم الرب، وإلى ناطق باسمه: "هكذا قال السيد الرب". ففي هذه الرسالة جرأة كبيرة تظهر عظمتها والخطر في عدم الأمانة في أدائها.

تتأصّل مصداقية الرسول بأمانتين، الأولى في الإصغاء والثانية في إعلان الكلمة. فعلى الرسول أن يكون أُذُناً صاغية يَقِظة للكلمة الملقاة عليه، وأن يكون أيضاً الناقل الأمين للرسالة التي سمعها. وإن لم يمتلك هاتين الأمانتين، فكيف باستطاعته أن ينقل الكلمة الموكّلة إليه، من دون أن يشوهها؟

إلاّ أن عملية نقل الكلمة، الملقاة على عاتق مَن أصبح "فم الله"، ليست بعملية سهلة، فقد يُضطهد الرسول بسبب الكلمة التي عليه أن يعلنها. فقد يسمع الرسول جيداً ما أُلقي عليه من الكلام، إلاّ أنه يخاف فيما بعد أن يتكلم بصدق وصراحة. يبدو أن النبي حزقيال قد نُبِّه إلى ذلك: سوف يتصدّى لأُناس قد أُصيبوا بالصمم الروحيّ.

لمَن يوجّه النبي كلامه؟ إلى جماعة من المتمرّدين، إلى متمرّدين على الإصغاء. فالجمهور الذي يجابهه، هو جمهور غير مستعدّ للإصغاء، لأنه لا يمتلك أُذُناً صاغية، بل على عكس ذلك، يختبئ وراء حائط من الرفض والمقاومة. فهذا الشعب المتمرّد على الله وعلى نبيّه يمثّلنا نحن في مواقفنا الرافضة المتمرّدة:

فقال لي: "يا ابن الإنسان، إني مُرسِلك إلى بني إسرائيل، إلى أناس متمرّدين قد تمرّدوا عليّ، فقد عصوني هم وآباؤهم إلى هذا اليوم نفسه" (حز 2/3).

تبدو، منذ البداية، مهمة حزقيال صعبة، لدى هؤلاء الذين يرسله الله إليهم، وتشير إلى القساوة والعنف والانغلاق. ويظهر الانغلاق بقساوة مزدوجة، قساوة القلب وقساوة الوجه:

"فأرسلك إلى البنين الصِلاب الوجوه القساة القلوب، فتقول لهم: هكذا قال السيد الرب" ( حز 2/4 ). وفي هذه القساوة ما يُقلق النبّي، ولكي يحقق رسالته، عليه أن يتبع هذه الوصيّة: "لا تخف". عليه ألاّ يخاف الكلام القاسي ولا الوجوه الرافضة:

"وأنت يا ابن الإنسان، فلا تخف منهم ولا تخف من كلامهم، لأنهم يكونون معك عُلَّيقاً وشوكاً، ويكون جلوسك على العقارب. من كلامهم لا تخف ومن وجوههم لا ترتعب، فإنهم بيت تمرّد" (حز 2/6).

يستعمل النبي استعارات وتشابيه تصف الحالة التي يعيشها والصراع الذي يخوضه. فقول الكلام الحق يجعله في حالة لا يُحسد عليها، فهو كالإنسان الجالس في وسط العلّيق والشوك، بل مثل مَن جلس على العقارب السامة. فالعُلّيق والشوك والعقارب تشير إلى أعداء كلام الله الذين في كل ساعة وآونة يستطيعون أن يخرجوا من مخابئهم لكي يجرحوا ويقتلوا كل مَن حمل هذه الكلمة في قلبه ووجدانه ودافع عنها. تلك هي حالة النبي حزقيال، حالة صعبة، إلا أنها تُضرِم قلبه برغبة التحدّي والمقاومة.

كلمة الله طعام يؤكل

يُرسَلُ النبي إلى الشعب لكي يُعلِن كلمة الله، فهناك إذاً علاقة وثيقة بين مهمة الإرسال وإعلان الكلمة، فإنه يلجأ إلى استعارة بليغة، ألا وهي أكْلُ الكلمة لكي يهضمها ويعلنها للناس. فلا يستطيع النبي أن يتفوّه بهذه الكلمة قبل أن تصبح جزءاً من شخصيته. كيف باستطاعته أن يعبّر عن هذه الكلمة إن لم تغمر جسده وروحه في الأعماق؟ فعليه أن يتغذّى أولاً من هذه الكلمة وكأنها الطعام الملقى إليه من عند الله. فالإصغاء لهذه الكلمة، وعدم التمرّد كما تمرّد الشعب، يعنيان تقبّلها كطعام طيب يتذوّقه فم الإنسان:

"وأنت يا ابن الإنسان، فاسمع ما أكلّمك به، لا تكن متمرّداً كبيت التمرّد. افتح فمك وكُلْ ما أُناوِلُك"
(حز 2/8).

ماذا يعني أكلُ الكلمة؟ هو أن يترك الإنسان كلمة لله تتغلغل في كيانه فتغذّيه وتغيّر قلبه. فالإنسان لا يستطيع أن يستحوذ على هذه الكلمة وأن يغيّرها، بل، على عكس ذلك، هي الكلمة التي تخترق قلب الإنسان، والتي لها المقدرة على التغيير!

فالعلاقة مع كلمة الله. لا تنحصر في أخذ الكتاب وفتحه وتصفّحه، ولكن في أن نفتح له قلوبنا وآذاننا لكي نتلقّى التعليم.

هو الله تعالى الذي يغذّي الإنسان بهذه الكلمة، وهو الذي يحملُ في يده، تحت شكل سِفر:

"فنظرت فإذا بيدٍ قد مُدّت إليّ وإذا بسفرٍ فيها" (حز 2/9).

علامَ يحتوي هذا السفر؟ فيه الكثير من الكلام، وصفحاته مملوءة في طرفيها. أما معاني الكلمات فهي قاسية مقلقة. فيها المراثي والنُواح والويلات، وهي أمور يصعب سماعها وأمور يصعب قولها:

"فنشره أمامي، وهو مكتوب فيه من الوجه والظَّهرِ، وقد كُتبت فيه مراثٍ ونُواح وويل" (حز 2/10).

أعَلى الإنسان أن يأكُل هذه الكلمات؟ وهذا السفر بالذات؟ ألا يستطيع الإنسان أن يأكل سفراً آخر؟ ألا نستسلم أحياناً إلى تجربة أخذ ما يطيب لنا من الكتاب المقدس تاركين كلّ ما يُزعجنا ويقلقنا فيه؟ "فقال لي: يا ابن الإنسان، كُلْ ما أنت واجد، كُلْ هذا السِفر واذهب فكلّم بيت إسرائيل"(حز 3/1). يجيب حزقيال على مبادرة الله بفتح فمه لكي يأكل السِفر:"ففتحت فمي فأطعمني ذلك السِفر"(حز 3/2).

لا يُذاق هذا الكلام بطرف اللسان، بل يُلتهم التهاماً، فمنه يملأ الإنسان جوفه وأحشاءَه، استعداداً لمجابهة حالات الرفض والتمرّد: "فإنّك لست مرسَلاً إلى شعبٍ غامض اللغة ثقيل اللسان، بل إلى بيت إسرائيل"( حز 3/5).

سيلقى النبيّ المقاومة لأن الشعب يقاوم الله ويرفضه. فمَن رفض الله رفض أيضاً رسوله:"فأمّا بيت إسرائيل فيأبون أن يسمعوا لك، لأنهم يأبون أن يسمعوا لي، لأن بيت إسرائيل بأسرهم صِلاب الجباه وقُساة القلوب" (حز 3/7.

أمّا ما يُطلب من النبيّ فهو أمر واحد، أن يفتح قلبه وأُذُنيه على كلمة الله: "وقال لي: يا ابن الإنسان، جميع الكلام الذي أكلّمك به خذه في قلبك واسمعه بأذنيك"(حز 3/10).

وفي آخر المطاف، لا يتوقّف الكتاب المقدّس عند نجاح مهمّة النبيّ أو فشلها، بقدر ما يهتمّ بإعلان الكلمة:"واذهب وامضِ إلى المَجْلُويّن، إلى بني شعبك، وكلّمهم وقل لهم: هكذا قال السيّد الربّ، سواء سمعوا أم لم يسمعوا"(حز 3/11).

النبيّ الرقيب

يقود الروح النبيّ نحو المكان الذي فيه سيُعلِن كلمة الله، وكأنّ هذا الروح يجتاح كيانه ويهزّه في الأعماق: "ثمّ رفعني الروح وذهب بي، فمضيت وأنا في المرارة وفي غيظ روحي،ويد الربّ شديدة عليَّ" (حز 3/14).
ومهمّة حزقيال النبيّ أن يكون الرقيب على بيت إسرائيل. إنّه رقيب متميّز،فعليه أن يترقّب الكلمة التي تخرج من فم الربّ:"يا ابن الإنسان، إنّي جعلتك رقيباً لبيت إسرائيل. فاسمع الكلمة من فمي وأنذرهم عنّي"(حز 3/17). وتبدو مهمّة النبيّ في منتهى الخطورة، فهي مسألة حياة أو موت . وطعم الكلمات المرّ يهدف إلى أمر واحد ، وهو التوبة إلى الله ونيل الخلاص. فإن كان النبيّ رقيباً على شعبه، وان لم يتردّد في تحذيره، فعندئذ يستطيع أن يبعدهم عن هاوية الموت والدمار. أمّا إذا كان النبيّ لا يترقّب ولا يسهر ، فالخاطىء المستسلم إلى قساوة القلب لا يستطيع أن يتوب إلى الله ، وبالتالي يصبح النبيّ مسؤولاً عن حياته المستسلمة للموت :

" فإذا قلتُ للشرّير : إنّك تموت موتاً ولم تنذره أنت ولم تتكلّم منذراً الشرّير بشرّ طريقه ليحيا، فلذلك الشرّير يموت في إثمه ، لكنّي من يدك أطلُب دَمَه " ( حز3/18) .

تعبّر هذه الكلمات بقوّة عن فعاليّة الكلمة الصادقة ، وعن مسؤوليّة الإنسان في استعمالها وإلقائها على مسامع أخيه الإنسان.

خاتمة

وهذا الأمر يجعلنا نقول في خطى ما اختبرناه مع النبيّ الملتزم في كلامه: علينا نحن أيضاً أن نتحوّل إلى أنبياء متيقّظين وساهرين لكي نحافظ على شُعلة الصدق والرجاء ولا نستسلم مع مَن حولنا إلى قوى الموت والظلام. فمَن سهر على مثال هؤلاء الأنبياء يمنحه الربّ لقاءً شخصيّاً مفاجئاً في أعماق الضمائر والقلوب.

النبيّ والملك وكلمة الله

يقع زمن الأنبياء في زمن الملكيّة. فقبل الملكيّة، كانت وظيفة النبيّ ووظيفة زعيم الشعب مترابطتين. وأوضحُ مثال على هذه العلاقة ما بين النبوءة والزعامة السياسيّة هو موسى. فهو مشتر ع وزعيم، نبيّ وأكثر من نبيّ لأنّه يكلّم الله مباشرةً (راجع عد 12/6-8 وخر 18/16).

أمّا بعد الملكيّة، فقد بدأت الحركة النبويّة الكبرى بالاضمحلال. فأشعيا الثاني يختلف عن الأنبياء الكبار، وأنبياء ما بعد الجلاء لهم أسلوب جديد في الحياة، فلا يتفاعلون مع الأحداث التي تحيط بهم على غرار الذين سبقوهم.

فباستطاعتنا أن نقول إنّ هناك ترابطّاً ما بين الحركة النبويّة وزمن الملكيّة. ما معنى هذا الترابط وكيف باستطاعتنا أن نفسّره؟

يعني هذا الترابط ما بين هذين البعدين، أنّ هناك تمييزاً ما بينهما، وبالتالي أنّ هناك استقلاليّة لما باستطاعتنا أن نسمّيه المجال الدنيويّ. ليست هذه الاستقلاليّة بمطلقة، بل على العكس من ذلك، لأن النبيّ يقوم دائماً إلى جانب الملك ليذكّره بواجباته ومكانة إرادة الله في عمله. والتمييز بين شخصيّة الملك وشخصيّة النبيّ يعني أيضاً التمييز ما بين الوظيفتين.

عمل الملك هو أن يحكم ، وعمل النبيّ هو إعلان كلمة الله إلى الملك. لا تعني استقلاليّة الملكيّة إلى حدّ ما أن الله لا يهتمّ بعمل الملك وببناء مملكته. فعلى عكس ذلك، تعني هذه الاستقلاليّة أنّ الاهتمام بهذه المملكة والحفاظ عليها هما من اهتمامات الله، إلاّ أنّ إدارتها قد أُوكِلت إلى مسؤوليّة الناس. ينزع المجال الدنيويّ إلى أن يتوسّع تماماً، إلا أنّه لا بُدّ له من أن يعي أنّ عليه أن يبقى في موقف الإصغاء إلى كلام الله.

 

لمطالعة القسم الثاني من الحديث

 

 

 

للعودة إلى رأس الصفحة

 

Designed by Mounir Kwefati