.0 { font-family: Simplified Arabic; font-size: 12pt; color: #800000; font-weight: bold; list-style-type: decimal } --> جمعية التعليم المسيحي في حلب - الأحاديث اللاهوتية - كلمة الله خبزنا اليومي للمطران أنطوان اودو
     

جمعية التعليم المسيحي
الأحاديث اللاهوتية
للعام 2004 - 2005

 

 المطران أنطوان أودو

كلمة الله خبزنا اليومي (القسم الثاني)
(مزمور 19 )

 
 

1 - لإمام الغناء. مزمور لداود.

2 - السموات تحدِّث بمجد الله والجلد يخبر بما صنعت يداه.

3 - النهار للنهار يعلن أمره والليل لليل يذيع خبره.

4 - لا حديث ولا كلام ولا صوت يسمعه الأنام

5 - بل في الأرض كلّها سطور بارزة وكلمات إلى أقاصي الدنيا بيِّنة هناك للشمس نصب خيمةً.

6 - وهي كالعريس الخارج من خدره وكالجبّار تبتهج في عدوها.

7 - من أقاصي السماء خروجها وإلى أقاصيها مدارها ولا شيء في مأمنٍ من حرِّها.

8 - شريعة الربّ كاملة تنعش النفس شهادة الربّ صادقة تعقِّل البسيط.

9 - أوامر الربّ مستقيمة تفرِّح القلوب وصيّة الربّ صافية تنير العيون.

10 - مخافة الربّ طاهرة تثبت للأبد وأحكام الربّ حقٌّ وعدل على السواء.

11 - هي أشهى من الذهب ومن أخلص الإبريز وأحلى من العسل ومن قطر الشهاد.

12 - وعبدك أيضاً يستنير بها وفي حفظها ثواب عظيم.

13 - مَن الذي يتبيَّن زلاَّته؟ من الخفايا طهِّرني.

14 - واحفظ من الكبرياء عبدك فلا تتسلَّط عليَّ حينئذٍ أكون كاملاً ومن معصيةٍ عظيمةٍ مطهَّراً.

15 - لتكن أقوال فمي وخواطر قلبي مرضيةً لديك أيّها الربّ صخرتي وفاديَّ.

مقدمة

عندما نتذوّق طعم الكلمة الإلهية في مناسبات خاصّة، وفي مواقف محدّدة تترك هذه الخبرات الفريدة أعمق الأثر في ذاكرتنا. فلا نعود ننسى لا المكان ولا الزمان الذي عشنا فيه مصداقيّة كلمة الله، التي تركت آثارها فينا! وهل نحافظ على مذاق هذه الكلمة الطيّب؟

وإن توصّلنا إلى ذلك لكنّا من الناس المنعم عليهم في التعاطي مع كلمة الله. وهل يتحول هذا المذاق الطيّب في حياتنا إلى مسيرة روحيّة تجعلنا نزداد ولوجاً إلى معاني الكلمات وإلى الخبرات الروحيّة التي تحملها في طيّاتها؟ وماذا يقول صاحب المزامير في هذا المجال؟ وهل الصلاة هي المناسبة التي ننمّي فيها مذاق كلمة الله الطيّبة؟ وكيف ذلك؟

على هذه الأسئلة التي نطرحها في بداية هذا الفصل، يجيب صاحب المزامير مؤكداً أنّ للصلاة طعماً طيبّاً. فغالباً ما يتوقّف هذا المصلّي عند الحديث عن تذوّقه الكلمة الإلهيّة. ففي كلّ مرّة يتأمّل فيها ويصلّي من خلالها فإنها تتحول إلى طريق محاط بالثمار الطيّبة، وإلى نبع يتدفّق فرحاً وابتهاجاً. غير أن باستطاعة كلمة الله أن تكون حلوة كما أنّها قد تكون مرّة. فحلاوة الله لا تلغي المرارة، ولا سيّما عندما تحتوي هذه الكلمات على حُبّ متطلّب. وفي هذه الحالة، ألا تصبح كلمة الله مرادفاً للصرامة والتقشّف؟ وفي سبيل توضيح ما نقول لا بدّ لنا من الاستشهاد بكلمات النبيّ إرميا:

"حين كانت كلماتك تبلغ إليّ كنت ألتهمها، فكانت كلمتك لي سروراً وفرحاً في قلبي لأنّي باسمك دُعيت، أيّها الربّ إله القوّات" (إر 15/16).

ومع ذلك فإنّ النبيّ لا يتردّد في أن يقول فيما يتبع:

"لماذا صار ألمي دائماً وضربتي معضلة تأبى الشفاء؟ إنّك صرت لي كينبوع كاذب، كمياه لا يُعتمد عليها" (إر 15/18).

بعد هذه المقدّمة التي ضمَّـنّاها تساؤلات مختلفة حول الكلمة ومذاقها، نبحث في المزمور 19. إنّه مزمور من أدقّ المزامير نظماً شعريّاً، يتحدّث عن الشريعة التي كتبها الله تعالى في قلب الإنسان وضميره فهي ليست بأمر جامد وقاس، بل على عكس ذلك، لها طعم يفوق أشهى الأطعمة، "أحلى من العسل ومن قطر الشهاد" (مز 19/11).

قد يقع القارئ أو المفكّر وحتّى المصلّي في حيرة من أمره وهو يتلو هذا المزمور. فيبدو للوهلة الأولى وكأن صاحب المزمور يتحدّث عن أمور لا ترابط فيما بينها، وقد قسّمه بعضهم إلى قسمين، قسم يتحدّث عن الطبيعة وقسم ثانٍ يتحدّث عن الشريعة، من دون ترابط بينهما، بل وكأنّنا أمام مزمورين قد دُمجا لاحقاً في نصّ واحد. أمّا قراءتنا للمزمور فهي تنطلق من وحدته الأدبيّة، فمن خلالها سوف ندخل في حركيّته وفي منطقه العميق، لكي نزداد تذوّقاً لهذه الكلمة الإلهيّة.

هل للسموات من حديث؟

عمّا يحدّثنا هذا المزمور؟ إنّه يتحدّث عن السموات والأرض، وعن حركة الكواكب، وأخيراً عن شريعة الله. فما هي العلاقة بين هذه العناصر من طبيعة وشريعة، فهذا سؤال طرحناه آنفاً، والجواب عليه يحملنا على درس المزمور درساً تحليليّاً يكشف النقاب عن غناه.

ولنبدأ بالتحديق في قبّة السماء، وهي الكلمة الأولى في المزمور. فالسموات تلفت انتباه الإنسان المتأمّل، ولشدّة ما يستغرق في النظر إليها، فهي تحمله على طرح الأسئلة. ماذا تعمل السموات؟ فعلى الرغم من أنّها صامتة فهي تتحدّث بلغة بليغة تعلن مجد الله:

"السموات تحدّث بمجد الله والجَلَد يخبر بما صنعت يداه" (مز 19/2).

وبتعبير آخر، فالسموات أو الجلد تُظهر لنا شيئاً من عظمة الله، فالآية تكرّر مرّتين: السموات تُحدِّث، والجلد يُخبِر في موضوع "مجد الله"، و"بما صنعت يداه". فالله يوحي بنفسه من خلال عمل يديه. كيف يظهر ذلك بشكل أدقّ؟ عندما نرى تنقّل الكواكب الصامت، ومسارها المنتظم عبر السموات. فإنّ حركة النيّرات في السموات وتعاقب الشمس والقمر والنجوم وتواجدهم اليوميّ في حياة الإنسان، هي في حَدِّ ذاتها قصّة تُروى على آذان مَن يصغي ويتفكّر. فتناوب هذه الكواكب المنظّم هو أيضاً في حدّ ذاته كلام بليغ:

"النهار للنهار يعلن أمره والليل لليل يذيع خبره" (مز 19/3).

فمن نهار إلى نهار، ومن ليل إلى ليل تُنسَجُ قصّة الخليقة، فنزداد ولوجاً إلى سرّ الله الخالق. إلاّ أنّ صاحب المزمور سيتوقّف بقوّة عند مفارقة في هذا الأسلوب الذي تستعمله الطبيعة في التعبير عن ذاتها. فبينما يكثّف الشاعر المفردات التي تتحدّث عن الكلام: "حَدَّث، أخبَرَ، أعلن، أذاع..."، فإنّه يفاجئنا بأنّه "لا صوت" لهذا الكلام، وليس هناك من أمر يُسمع عندما تُسرد قصّة الخلق هذه:

"لا حديث ولا كلام ولا صوت يسمعه الأنام" (مز 19/4).

هي "قصّة" وفي الوقت نفسه ليست "بقصّة" مثل باقي القصص. هناك كلام وحديث يدور في السموات ولكنّه يعتمد على منطق يختلف عن منطق الكلمات. هي قصّة تنتقل عن طريق الصمت، إلى كلّ مَن له المقدرة على النظر في السموات وفي تأمّلها لكي يستجلي لغتها الخاصّة. هي لغة من دون صوت، ولكن ما أبلغها لغة!

هي لغة تحدّث عن الخالق وحكمته وفطنته. ألا يقول المزمور 136/5 ما يحملنا على تسبيح الله:

"صانع السموات بفطنة"

وتعتمد هذه اللغة الصامتة في بلاغتها على كونها لغة شموليّة، فهي اللغة التي تستطيع كلّ عين أين ما كانت أن تنظر إليها وتحاول تفسيرها. فليس هناك مكان على وجه الأرض لا تطاله هذه اللغة الشديدة الانتشار:

"بل في الأرض كلّها سطور بارزة وكلمات إلى أقاصي الدنيا بيِّنة" (مز 19/5).

في هذه القصّة المرويّة بصمت، ليس الانتظام فقط هو العنصر الوحيد الذي أشرنا إليه، بل التناسق بين مختلف الحركات في جرم السماء. ففي هذه الحركة التي لا تتوقّف، يحدّثنا التناسق أيضاً عن عظمة الخالق وقوّته وكأنّي بالانتظام والتناسق يلتقيان لكي يسردا قصّة الخلق بقوة مدهشة. فإن كان لدينا في الانتظام دلالة على القوّة، ففي التناسق بين مختلف الحركات دلالة على جماليّة عمليّة الخلق.

حيويّة الشمس

بعد أن توقّف المزمور عند لغة الكواكب واصفاً الحوار الدائر بلا انقطاع بين النهار والليل، ينقلنا الآن إلى وصف الشمس وهي كالجبّار في عَدوِها:

"هناك للشمس نصب خيمةً وهي كالعريس الخارج من خدره وكالجبّار تبتهج في عَدوِها"(مز19/5-6).

إنّ وصف الشمس لا يتوقّف عند حقيقة هذا الكوكب الخارجيّة، بل يتعدّاها إلى ما هو أعمق، إلى تشبيه مستوحى من الحياة الزوجيّة. يشبّه صاحب المزمور حركة الشمس بما تحتويه من نور وحرارة، بعريس شاب كلّه حيويّة ونشاط. لِمَ يلجأ المزمور إلى مثل هذه الصورة التي تفاجئنا للوهلة الأولى؟ لا شكّ أنّ الهدف من هذا التشبيه هو تسليط الأضواء على علاقة الشمس بالشريعة، بما فيها من نور وحرارة. فالشريعة، حتّى ولو كانت شريعة السموات، حتّى ولو كانت الشمس، فهي لا تتحقّق إلاّ عن طريق الحبّ. فسرُّ هذه الشمس المتحرّكة التي ترمز إلى الشريعة، هو رغبة حبّ شبيهة بعريس يتحرّك بقوّة الحبّ التي تسكن قلبه وكيانه. فتوهُّجُ هذا الحبّ يغمر المسكونة كلّها، ويتغلغل من أقاصيها إلى أقاصيها :

"من أقاصي السماء خروجها وإلى أقاصيها مدارها ولا شيء في مأمنٍ من حرِّها" (مز19/7).

نستنتج ممّا سبق أنّ كمال الكواكب يقوم على انتظامها ودقّتها في الحركة، ولا شيء يجعلها تخرج من مسارها. هذه هي اللغة العميقة التي تتكلمها الكواكب بصمت وتدعونا إلى قراءتها وإلى فك رموزها، لكي نحذو حذوها. فإن كان هناك شريعة في السموات، شريعة كاملة تتحدّث عن الله ومجده، فهناك أيضاً على الأرض شريعة تخاطب قلب الإنسان وتستقرّ فيه .

شريعة من أجل الإنسان

شريعة بليغة اللغة تحدّث بها السموات وشريعة كاملة تغيّر طريق الإنسانيّة، وكأنّ هذه الشريعة الثانية هي صدى للأولى ينتشرُ على أرض البشر. فعلى الأرض أيضاً شريعة في منتهى الدقّة والكمال، ومَن سار على دروبها فقد أخبرَ أيضاً بما صنعت يدا الخالق. وليست هذه الشريعة الكاملة من مجال الكواكب التي لا صوت لها ولا كلام، بل هي من مجال بني آدم، إنها تطال كلّ واحد منّا وتخاطبه بشكل بليغ أيضاً.

وفي التحدّث عن هذه الشريعة يلجأ صاحب المزامير إلى مفارقة جديدة. فقد كانت الأولى، في مجال الحديث عن الكواكب، من حيث إنّها تتكلّم لغة بليغة على الرغم من صمتها. أما المفارقة الثانية في المزمور فهي في مجال الحديث عن الشريعة، فعلى الرغم من أنّها شريعة متطلّبة فهي تبقى "أشهى من الذهب ... أحلى من العسل".

وسرّ كمال هذه الشريعة يبرز في الحياة المستفيضة منها بوفرة شديدة. وبكلمة، فإنّها تعطي الحياة للإنسان وترافق هذه الحياة الحكمة التي تجود بالفطنة على أبسط الناس:

"شريعة الربّ كاملة تنعش النفس شهادة الربّ صادقة تعقِّل البسيط" (مز 19/8).

أول عطايا هذه الشريعة "الحكمة"، وهي حكمة تفهم ولا شكّ لغة السموات البليغة والصامتة. هي شريعة فيها اليقين والثبات وثمارها الطيّبة لا تخفى على أحد.

ومن خصائص هذه الشريعة كونها تطال باستقامتها وبصفاتها الأعضاء الحيويّة في الإنسان، فالقلوب تفرح بها والعيون تستنير من ضيائها. إنّها سبب فرح عميق يجتاح كيان الإنسان كلّه:

"أوامر الربّ مستقيمة تفرِّح القلوب وصيّة الربّ صافية تنير العيون" (مز 19/9).

ونستطيع أن نستنتج ممّا سبق ما يلي:

إذا كان الله أميناً وإن كانت شهادته صادقة، فلا بدّ لأمانته من أن تحرّك في ضمير الإنسان جواب الأمانة أيضاً. يدفع الله الإنسان على طريق الأمانة، لأن مخافة الربّ تعمر في قلب الإنسان الذي يمشي على طرقه. فمخافة الربّ ليست بخوف العبيد، بل هي مخافة ملؤها احترام الله، هي مخافة بنويّة تثبت الإنسان على طريق الأمانة :

"مخافة الربّ طاهرة تثبت للأبد وأحكام الربّ حقٌّ وعدل على السواء"(مز 19/10).

ليست مخافة الربّ بحالة تفصلنا عن الله، بل هي، على عكس ذلك، الطريق للدخول رويداً رويداً في سرّ قداسته، فهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالثقة التي يجود بها الربّ على الإنسان، وباليقين في كلّ ما يتعلّق بحقيقة الله وصدق تدبيره الخلاصيّ. هذا يعني أنّ مخافة الربّ تجعلنا نعرفه بشكل صحيح.

لم يُكثر صاحب المزمور في هذا المجال من مفردات اللغة والحديث والإعلان والإخبار كما فعل في مجال حديثه عن الكواكب، إلاّ أنّه يتوقّف عند الشريعة ومتطلّباتها: "شريعة الربّ، شهادة الربّ، أوامر الربّ، وصيّة الربّ، مخافة الربّ، أحكام الربّ ...".

تكرار هذه المفردات التشريعيّة قد يوحي للوهلة الأولى أنّ الشريعة هي أمر يُتعب كاهل الإنسان. ولكنّنا نفاجأ بصاحب المزمور عندما نجده، بالمقابل، يعدّد نتائج هذه الشريعة المفيدة. فنتائجها طيّبة، ولشدّة ما هي طيّبة فالإنسان يفضّل شريعة الربّ على كلّ شيء.

شريعة الربّ أحلى من العسل

فالشريعة مرغوب فيها وبقوّة "أحكام الربّ... هي أشهى من الذهب ومن أخلص الإبريز، وأحلى من العسل ومن قطر الشهاد" (مز 19/11).

يلجأ صاحب المزمور إلى الذهب أوّلاً، وهو معدن ثمين به تقاس قيمة الممتلكات وعمل يد الإنسان، ومن ثمّ إلى العسل، وهو الطعام الطيّب الذي يشفي من الأمراض والجروح، وذلك في سبيل المقارنة مع الشريعة التي تفوقهما طعماً وقيمة! فالشريعة هي الكنز الحقيقيّ وهي صاحبة الطعم الحقيقيّ في فم الإنسان. وفي هذا المجال باستطاعتنا أن نستنتج حقيقة عميقة تشير إليها الشريعة: فبالكلمة من حيث هي شريعة، نكتشف طريقاً يقودنا على طريق نتوق فيه إلى الحبّ، وعلى طريق نزداد عليه حبّاً لكلمة الله. وما الذي يهمّ الإنسان الذي يسعى في أن يعيش سعيداً ؟ هل هو الذهب وأخلص الإبريز؟ كلاّ! ولكنّه يحتاج إلى قلب قد تطهّر بنور الكلمة: "وعبدك أيضاً يستنير بها وفي حفظها ثواب عظيم" (مز 19/12).

فالكلمة هي أفضل مربٍّ للإنسان، تعلّمه محبّة الله وتدرّبه على مقاومة كلّ ما يبعد عن طريق الله ويقتل فيه ومَن حوله الحياة. ولذلك يطلب المصلّي وهو يُظهر حبّاً شديداً للشريعة:

"مَن الذي يتبيَّن زلاَّته؟ من الخفايا طهِّرني، واحفظ من الكبرياء عبدك فلا تتسلَّط عليَّ، حينئذٍ أكون كاملاً، ومن معصيةٍ عظيمةٍ مُطهَّراً" (مز 19/13-14).

ومَن أراد أن يخوض في طريق الإيمان بصدق، أعني روح الخدمة المعطاءة، يطلب من ربّه بإخلاص، أن يصونه من أمرين يهدّدان حياته:

الخطايا الخفيّة، وهو لا شكّ الحسد الذي يهاجم الإنسان، والكبرياء وهي أعظم الخطايا.فالأمانة لشريعة الربّ وحدها هي التي تصون الإنسان من أخطر الخطايا لكي تقوده على طريق الكمال. ولذلك كان قد ذكر صاحب المزمور في بدء حديثه عن الشريعة على أنّها تنعش النفس. إنّها تعيد الإنسان إلى الله لا خوفاً من عقاب بل حبّاً له ومخافة صادقة منه. تصبح الشريعة مكان التلاقي بين الله والإنسان، مصدر سرور لله ومصدر سرور للإنسان. فإن كان الإنسان يجد متعته وفرحه في هذه الشريعة، فإنّ أقوال فمه وخواطر قلبه هي أيضاً نشيد يرتضيه الله:

"لتكن أقوال فمي وخواطر قلبي مرضيةً لديك أيّها الربّ صخرتي وفاديَّ" (مز 19/15).

خاتمة

وهكذا يختبر الإنسان المؤمن يوماً بعد يوم أنّ الله هو صخرته وفاديه، وهو أمر لا يستطيع الإنسان المتكبّر أن يعيشه، فالمتكبّر ليس سوى مَن اتّكل على نفسه فقط واعتبر ذاته الصخر والفداء.

ومهما كانت أقوال المصلّي خافتة، فهي تطال أقاصي الأرض والسماء على مثال لغة الكواكب. فالرسالة إلى أهل رومة تطبّق ما قيل في الكواكب بهذا المزمور عن إعلان كلمة البشارة:

"فالإيمان إذاً من السماع، والسماع هو من المناداة بكلام المسيح:على أنّي أقول:أتراهم لم يسمعوا؟ بلى،لقد ذهب صوتهم في الأرض كلّها، وأقوالهم في أقاصي المعمور" (روم 10/17-18).

 الأنواع الأدبية في الكتاب المقدس

يُعتبر درس الأنواع الأدبيّة المختلفة في علوم الكتاب المقدّس من المقاربات الأساسيّة. فعلى الدارس أن يحدّد أوّلاً النوع الأدبيّ الذي يستخرجه من أسلوب تأليف كلّ نصّ. فعلى سبيل المثال، وإذ نحن في صدد قراءة أحد المزامير، فكلّ مزمور له نوع أدبيّ وينتمي إلى مجموعة من المزامير التي تعالج الموضوع نفسه.

 فمزمور التوسّل ليس بمزمور التسبيح، والنشيد ليس بالشكوى. كما أنّ هناك مزامير مشيحيّة وأخرى حكميّة ومجموعة تسمّى مزامير المراقي (المزامير 120-134). وسنرى أنّ المزمور 19 هو مزمور قائم على نوعين أدبيَّين مختلفين ولربّما كان في الأساس مزمورين، واحد هو نشيد والآخر هو تعليميّ حكميّ.

 لكنّ الروعة هو في ربطهما الواحد بالآخر للتعمّق في موضوع الشريعة الهام، والشريعة المكتوبة في الطبيعة (الخلق) والشريعة المكتوبة في ضمير الإنسان (الخلاص).

 

لمطالعة القسم الأول من الحديث

 

 

 

للعودة إلى رأس الصفحة

 

Designed by Mounir Kwefati