جمعية التعليم المسيحي في حلب-مقالات متفرقة - الأب فيكتور شلحت
     

الراحل الكبير

" الأب فيكتور شلحت "

 

 
 
 

جمعية التعليم المسيحي تنعي الأب فيكتور

" الكلمة التي ألقاها الأستاذ نجيب مشاطي رئيس اللجنة الإدارية في القداس الجنائزي"

في قلبنا حسرة .... و في قلبنا غصّة .... و في إيماننا فرحة ...

الحسرة و الغصة لأن الموت غيَّبَ راهباً .... و أي راهب ...

إنّه الأب فكتور ...

و ما أدراكم ما لوقع اسم الأب فيكتور في قلوب و نفوس من عرفوه ...

صاحبُ هيبةٍ و احترام .... صاحبُ حكمةٍ و وقار ...

صاحبُ رأيٍ سديد وفكرٍ بعيد ...

أحبّته حلب، و أحبّته أكثر جمعية التعليم المسيحي في حلب، التي أرشدها مدة عشر سنوات. في عهد إرشاده أحدث تغييراً جذرياً في منهجية التعليم المسيحي واكب التطور التربوي الحديث.

أسّس مركزاً للتوثيق، أصبح اليوم من أكبر مراكز التوثيق في سورية، يحوي من وسائل الإيضاح الكثير، وذلك في سبيل نقل بشرى الخلاص لأولاد الكنيسة.

كان حاضراً دائماً .. و مشرفاً يقظاً .. و مرشداً فعّالاً .. يهتم بالأشخاص اهتماماً مميزاً ..

لذلك أحبَّه الجميع و يذكُرُه الجميع .. و ذِكر الصديق يدوم إلى الأبدِ ....

تعِبَ كثيراً في سبيل الجمعية وأنهى خدمته فيها بالتحضير للاحتفال بالذكرى المئوية الأولى لتأسيسها في العام 1991 ثم غادرها إلى دمشق...

ولكنه بقي يتفقّد الجمعية وكل الذين عملوا معه فيها، يسأل عنهم،ويطمئن على صحتهم ورسالتهم، ويصلي من أجلهم.

نذكره دائماً في كل نشاط تقيمه الجمعية، من رُتب دينية، إلى رياضات روحية، إلى دورات تدريبية، إلى دروس لاهوتية، وغيرها كثير.. ولا تزال الجمعية تسير، إلى حدّ لا بأس به على النهج الذي خطّه لها.

رغم الغصّة والألم نشعر بفرحة الإيمان تعزّينا، لأن هذا الراهب الشاهد للمسيح .. الذي علّمنا كيف نعيش التطويبات في حياتنا.. و الذي عاش هو هذه التطويبات بكل ما تعنيه.. قد سمِعَ اليوم نداء المعلم الإلهي القائل له: تعال يا مبارك أبي، رِث الملكوت المعدّ لك منذ إنشاء العالم ..

بالأمس كنّا نقول لكَ "أبونا" فيكتور .. واليوم نقول لكَ أيها الفقيد الغالي كنتَ للجمعية نصيراً في حياتكَ .. فادعم جمعيّتنا و أنتَ في ملكوتك و ليكن ذكرُكَ مؤبّداً ...

 

كلمة المطران أنطوان أودو في القداس الجنائزي للأب فيكتور

أصحاب السيادة،

أهل الفقيد الكرام،

إخوتي الكهنة و أخواتي الراهبات،

أيها الإخوة و الأخوات

في دمشق و منذ أيام ودّعنا أخانا المرحوم الأب فيكتور شلحت اليسوعي، و رافقناه بصلواتنا و ذكرياتنا و أودعناه بين يدَي الرحمة الإلهية.

يموت الراهب اليسوعي ويوارى الثرى في المكان الذي عاش فيه، و في ذلك رسالة أخيرة يقولها في صمته الأبدي، أجل لا حدود للتجرّد و التجسّد و الاستزادة من الحب على مثال المعلم الإلهي، فالأهل هم جميع الناس و البلد هي كل أرضٍ تُلقى فيها كلمة الله الحية.

يشرّفني أيها الحضور الكرام: أهلاً ويسوعيين وأساقفة و كهنة وراهبات وأصدقاء، أن أقف أمامكم اليوم مشاركاً في خبرة سنوات طِوال جعلتني قريباً من أخٍ كبير في الرهبانية اليسوعية.

إن أردنا بادئ ذي بدء أن نختزل بكلمةٍ حياةً مكرسةً لخدمة الله والإنسان، قلنا، إن الأب فيكتور شلحت هو رجلُ ثقة. فمن المسؤوليات التي أوكلت إليه في الرهبانية والكنيسة كرئيس للآباء اليسوعيين في سورية، إلى رئاسة الأديار فيها، فإلى أمانة سر مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في سورية، وإلى إدارة كاريتاس سورية، فإلى إرشاد جمعية التعليم المسيحي في حلب ودمشق وأخيراً إلى التدريس في جامعة حلب، كلّها مَهام رفيعة و متطلّبة، فإن دلّت على شيء فعلى المستوى الفكري والروحي والإنساني الذي امتاز به هذا الراهب الورع.

إنه رجلُ ثقة، و لم تأتِه ثقة الناس به عن طريق مواهب خَلْقية وخُلُقية موروثة و حسب، و لا عن طريق عائلة حلبية سريانية متأصّلة في الحياة المسيحية، بل و أيضاً عن طريق روح الالتزام الذي امتاز به طوال حياته. إنه على مثال الوكيل الأمين، يقدّم الخدمات المطلوبة منه بدقة و موضوعية في الوقت نفسه و بروح رهبانية عالية، يعرف أن يترك المسؤوليات لغيره عندما يُطلب منه ذلك، بروح متأهّبة وتجرّد عميقَين، ترك الرئاسات المختلفة في الرهبانية والكنيسة، ولكنه لم ينطوِ على نفسه مستسلماً للنهايات، بل راح يتابع العمل في التأليف والنشر والخدمات حتى الرمق الأخير، في دير الآباء اليسوعيين في دمشق.

1) " فطوبى للرجل الذي يتأمّل في الحكمة، ويفكّر بعقله، و يتأمّل في طرقها في قلبه، و يُمعن النظر في أسرارها، يسعى وراءَها كالصياد و يترصّد آثارها، تُطعمه خبزَ العقل، و تسقيه ماء الحكمة " ( سي 14/20-22 )
كانت قضية الإيمان والبحث عن الحقيقة أموراً حملها محمَل الجِد. لقد أعمل عقله في كل شيء وأخضع أهواءه لروح التمييز، وأولى مسألة الحقيقة حيّزاً كبيراً من تفكيره. فإن كان ينقصه أحياناً شيء من العفوية، فذلك لأنه أراد في كل شيء الاعتماد على الحجج المقنعة قبل الإقدام على أي عمل. و في شأن حقيقة الإيمان التي جنّد حياته في سبيلها، فكان الدارس المنكَبّ على المطالعة و الراغب في الاطّلاع على كل جديد في المسائل اللاهوتية و الكتابية و التربوية، لكي تَبرز حقيقة الإيمان بحلّة قشيبة. كنتَ تراه راضياً فخوراً عندما يقع على كلمة عربية جديدة تعبّر بقوة عن مضمون الإيمان. كان ينحت الكلمات ويحب أن يجدّد أساليب التربية المسيحية و يفرح في أن يقول حقيقة الإنجيل بلغة معاصرة مقنعة. ولذلك، وعلى الرغم من كل مسؤولياته الإدارية، فإنه لم يُهمل الكتابة و خاصة في الأمور اللاهوتية و العقائدية التي اعتبرها من الواجبات الأولى في خدمة الكنيسة. لقد كتب "الإنسان في ضوء المسيح"، ومنذ أيام وقبل وفاته كان قد أصدر في دار المشرق كتاباً عنوانه "محطّات في سر المسيح إلهاً و إنساناً".

سوف نلاحظ أن هذا البعد العقلاني لم يفارقه في كل المجالات التي عمل فيها، فإن دلّ ذلك على شيء فعلى كثير من الجِدّية في مقاربة الحقيقة الإيمانية،وعلى رغبةٍ في تجدّد مستمر في قول سر المسيح.

2) "فطوبى للإنسان الذي وجد الحكمة، و للإنسان الذي نال الفطنة، فإن تجارتها خير من تجارة الفضة، وربحها يفوق الذهب، طرقها طرق نعمة وجميع سبلها سلام، ومن تمسّك بها فله الطوبى" ( مثل 3/13-18 )
نشأ فيكتور في عائلة حلبية عريقة، وفيها الخبرة التجارية والصناعية، وفيها كهنة وراهبات، ومنها البطريرك جرجس شلحت السعيد الذكر، وكان فيكتور أصغر إخوته، فبَدل أن يطمع بخيرات العلم والمال والشهرة الدنيوية فقد آثر أن يلبّي نداء الرب، فقرع باب الرهبانية اليسوعية وانطلق في العشرين من عمره ليكون كله للمسيح والكنيسة. لا ينظر إلى الوراء بعد أن وضع يده على المحراث، فالمسيح مُحرّك حياته، والمسيح هو القطب الذي يحاول بكل جوارحه أن يكون معه: "وما ذلك أنّي فُزتُ أو أدركت الكمال، بل أسعى لَعلّي أستولي كما استولى عليَّ يسوع المسيح" ( فل 3/12 ).

لقد شرب فيكتور وارتوى منذ شبابه من ينابيع الروحانية الأغناطية، روحانية تجلّت ثمارها الإنجيلية في حياته الشخصية وفي علاقته مع الآخرين. لقد شاهد المسيح كالإنسان الكامل المتأهّب، وهو في حالة من الإصغاء الدائم أمام الآب، وفي تجرّد يجعله في حالة من الانجذاب نحو أخيه الإنسان. إن التأهّب يجعل من الإنسان كائناً حرّاً يتحرك بقوة الروح القدس الذي يهبه يسوع، ويجعل من الرسول إنساناً يرغب في الاستزادة في الحب. فبعد ما تذوَق الإنسان طعم محبة يسوع وحريته، فلا يسعه إلاّ أن يعدو في حلبة الصراع توّاقاً إلى إكليل مجدٍ لا يَذوي. ومن مفارقات الروحانية الأغناطية هي أن هذه الاستزادة في الحب هي طريق تجرّد على مثال المعلم الإلهي، فصليب يسوع هو طريق الحب النزيه، صليب يسوع الذي يحمله التلميذ معه هو المِحَك وهو الاسم السرّي المكتوب على الجبين والمحفور في القلب والمحمول كالنير الطيب على المنكبين.


"يا بُنَي اتخذ التأديب منذ شبابك، فتجد الحكمة إلى مشيبك، مثل الحارث والزارع أَقْبِل إليها وانتظر ثمارها الطيبة، فإنّك تتعب في حراثتها قليلاً ولا تلبث أن تأكل من غِلاّتها، إحنِ عاتقك واحملها فتكون قيودها حماية قوية لكَ و أغلالها حُلّة مجدٍ ويكون نيرها جلياً من ذهب" (سي 6/18-30)

3- أمّا في مجال التربية المسيحية فكان للأب فيكتور شلحت اهتمامٌ منقطع النظير. لقد كان مربيّاً بحكم دعوته وتكرّسه، ولابد لنا أن نقرأ هذا الاهتمام انطلاقاً من توصيات المَجمع الفاتيكاني الثاني في رسالة العلمانيين. لقد تلقّى هذا المربّي الكبير نداء الكنيسة وراح يبذل طاقاته في تربية المربّين ليكونوا على مستوى رفيع في القيام بواجب نقل بشرى الإنجيل. فإنّه لم يكتفِ بتقليد جمعية التعليم المسيحي العريق، بل راح يجدّد في الأساليب الفكرية و السمعية - البصرية باثّاً في مئات الشبّان و الشابات روحاً تربوياً جديداً. كان قيادياً سلطوياً أحياناً، شديد التمسّك بمبادئه وقناعاته، إلاّ أنّه على الرغم من كل ذلك، خلق من الجمعية في حلب خلال عشر سنوات من العمل فيها فريقاً عملياً متماسكاً، فيه تشعر بجدية العمل وفرح العطاء والمشاركة والخدمة المجانية. يستطيع كثير من العلمانيين ومن المربين أن يكمّلوا هذه اللوحة الناقصة بشهادات حياتية وذكريات عديدة. لقد كتب الأب شلحت كتاباً خاصاً بالتربية المسيحية أسماه "رفيق المربّي المسيحي"، علاوة على كتب مناهج التربية المسيحية التابعة لوزارة التربية والتعليم. وكل شيء كان يُتابع بأمانة ودقة.

" وكيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به؟ وكيف يسمعون به من غير مُبشّر؟ وكيف يُبَشِّرون إن لم يُرسلوا؟ وقد ورد في الكتاب: "ما أجمل أقدام الذين يُبشّرون" (روم11/14-15)

4- ويصل بنا أخيراً المطاف في حياة غنية ومتنوعة إلى وجه يكاد يكون محجوباً أمام نظرة متسرّعة.

فكما أحب الكنيسة فكذلك أحب وطنه سورية و العالم العربي والإسلامي. لقد سعى الأب شلحت في أن يكون المسيحيون في العالم العربي منثقِفين في واقعهم متضامنين مع أوطانهم بكفاءاتهم وخدماتهم الاجتماعية؛ فعلى الرغم من أنه كان متبحّراً بالثقافة الفرنسية وكان يتكلم لغتها بطلاقة ودقة، إلاّ أن ذلك لم يكن يوماً على حساب الثقافة العربية، بل و على العكس من ذلك، فمنذ سنواته الرهبانية الأولى وظّف طاقاته الفكرية في إتقان اللغة العربية كأداة تعبير عن إيمان متأصّل في الواقع العربي والإسلامي.

فعلاوة على دراسة الفلسفة واللاهوت المطلوبة من الذين يستعدون لتقبّل درجة الكهنوت، أراد الأب فيكتور شلحت أن يتعمّق بالفكر العربي والإسلامي، فبعد أن نال إجازة في الآداب الشرقية، حقّق كتاباً لابن حامد الغزالي عنوانه "القسطاس المستقيم"، وتابع تحصيله في دراسته لنيل شهادة الماجيستير في الأدب العربي من جامعة القاهرة حول "النزعة الكلامية في أسلوب الجاحظ". ولا يزال كتابه يُطبع إلى اليوم في دار المعارف المصرية في القاهرة.

في هذه الدراسات تظهر كما قلنا مراراً رغبة هذا الإنسان المسيحي المثقّف في إعمال العقل في كل شيء والدخول في الثقافة العربية و الإسلامية للتحاور معها و تفهّمها و لزرع الروح الإنجيلية فيها، و كل ما يجعل الإنسان يتقدّم في معرفة الله وخدمة الإنسان.

حياةٌ ملؤها الخدمة والعطاء القائمَيْن على إيمان يبحث عن إرادة الله لتتميمها في بناء الكنيسة والإنسان.

و بعد أن رافقنا أخانا فيكتور في رحلة حياته السخيّة والجِديّة، نعود إلى ذواتنا لكي نرفع معه صلاة شكر و تمجيد لربنا و إلهنا و مخلصنا يسوع المسيح، الذي شاء أن يجعله رفيقاً له، أميناً، ووافر الخير والبركات في الكنيسة والمجتمع.

ولنختم كلمتنا هذه بهذه الصلاة، ولْنردِدْها في قلوبنا و نحن متّحدون في الإيمان مع أخينا فيكتور الراقد:

" في شبابي وفي تجوالي، التمستُ الحكمة علانية في صلاتي، أمام الهيكل طلبتُها، وإلى آخر حياتي أسعى وراءها، ابتهج قلبي بزهرها كما يبتهج بعنبٍ ينضج، ودَرَجَتْ قدمي في الطريق المستقيم، ومنذ شبابي جَدَدْتُ في إثرها، أمَلتُ أذني قليلاً فتلقّيتها، وتقدّمت بفضلها. والذي آتاني الحكمة أوتيه مجداً، فتحتُ فمي وتكلّمتُ: اشتروا الحكمة بلا فضة، أخضِعوا رقابكم للنير، و لتتّخذ نفوسكم التأديب، فإنه قريب، أنظروا بأعينكم كيف تعبتُ قليلاً فوجدتّ لنفسي راحة كثيرة، لتبتهج نفوسكم برحمة الرب و لا تخجلوا من تسبيحه". آمين (سي 51/13-30).

 

صور متفرقة من القداس الجنائزي ومن عطاءاته في الجمعية

 

 

 

من القداس الجنائزي   من القداس الجنائزي   من القداس الجنائزي
 

 

 

من القداس الجنائزي   من القداس الجنائزي   من القداس الجنائزي
 

 

 

من القداس الجنائزي   من القداس الجنائزي   من القداس الجنائزي
 

     

من القداس الجنائزي       من القداس الجنائزي
 

 

 

يحتفل بالأفخارستيا في ختام الدورة   يشارك الأعضاء فرحهم في إحدى سهرات الدورة التدريبية   يلقي حديثاً في إحدى اللقاءات التربوية
 
 
   

 
Designed by Mounir Kwefati