جمعية التعليم المسيحي في حلب-مقالات متفرقة - كأس العالم وحقوق الانسان
     

كأس العالم وحقوق الإنسان

الأب سامي حلاق اليسوعي

 

منذ خمسة وعشرين عاماً، أحدثت صورةٌ مفعول القنبلة الذرّيّة في مشاعر العالم كلّه. إنّها صورة طفل صوماليّ، يعاني سكرات الموت جوعاً، ونسر من أكلة الجثث يقف بالقرب منه، وينتظر أن يموت الطفل ليلتهمه. وبسبب هذه الصورة الفظيعة، تحرّكت أحشاء الأغنياء ممّن لديهم ضمير، وانهالت التبرّعات على البلدان الأفريقيّة الّتي تعاني الجفاف لتنقذ حيوات الناس.

ومنذ خمسة عشر عاماً، أثارت صورة أخرى بركاناً في عالم الدفاع عن حقوق الإنسان. إنّها صورة طفل هنديّ فقير، يلبس ثياباً رثّة، وقد أصبح أنفه أفطس من الضغط على زجاج واجهة أحد المطاعم الفاخرة في نيودلهي، يتأمّل متحسّراً جائعاً الموائد العامرة والأطباق الشهيّة الّتي يلتهمها الميسورون. وخلف الطفل، بوّاب المطعم، وبيده خيزران، يهمّ في ضرب الطفل على قفاه ليطرده، لأنّ وقوفه بهذا الشكل يزعج الزبائن "المحترمين".

كان هذا في الماضي. لم يكن الأنترنت ووسائل الاتّصال الّتي تنقل أيّة معلومة بسرعة البرق إلى جميع أنحاء العالم قد اخترعت بعد. ومع ذلك، ثار العالم وتحرّكت الضمائر وشجبت هذا الواقع الجائر ضدّ المسكين والفقير في كرتنا الأرضيّة.

واليوم، نحن نشهد، بل نعيش في كلّ مدينة وقرية، حدثاً مشابهاً. وعلى الرغم من تطوّر وسائل الاتّصال، لم يرفع واحدٌ صوته للشجب أو الاحتجاج. بل ظلّ الجميع صامتاً علناً، ثائراً ضمناً، وكأنّ المسألة في غاية المنطقيّة، والثورة عليها في غاية الغباء.

كأس العالم لكرة القدم حدثٌ عالميّ ينتظره جميع الناس في كوكبنا بفارغ الصبر كلّ أربع سنوات. فيه تحتدّ النقاشات والتحدّيات، وينسى الفقراء بؤسهم وشقاءهم إلى حين، ويرفّهوا عن أنفسهم بالتفرّج على المباريات، ويستمتعوا بالعروض الجميلة. ولم نسمع يوماً عن ديانةٍ أو إيديولوجيّةٍ عارضت هذه الألعاب، واستهجنت الترفيه بالتفرّج عليها. إنّها تسلية الفقير والبائس والمسكين. وكم من مرّةٍ أطلعتنا وكالات الأنباء على صورٍ طريفة لبائسين في شمس أفريقيا أو أيتام في أكواخ الفليبّين أو فقراء في المقاهي الشعبيّة بمصر، وهم يتابعون بتركيزٍ شديد أحداث المباريات، ناسين قسوة حياتهم وآلامهم ومآسيهم. يتفرّجون مجّاناً، لا نسر ينتظر موتهم، ولا بوّاب يرفع الخيزران ليطردهم. فمشاهدة مباريات كأس العالم حقّ من حقوق الإنسان، أيّ إنسان، أفقيراً كان أم غنيّاً.

إلاّ أنّ سياسة العولمة والاقتصاد، الّتي تتحكّم اليوم بمسيرة العالم والدول، حرمت الفقير بطولة العالم الحاليّة.حرمته هذه المتعة الّتي طالما كان ينتظرها ليهوّن عن نفسه خطوب الحياة. فقد قامت بعض الشركات الطامعة في الكسب حتّى التخمة بشراء حقّ بثّ هذه المباريات، وأفهمت العالم أجمع، أنّ زمن ترفيه الفقير واليتيم قد ولّى. من الآن، لا يحقّ التمتّع بمشاهدة هذه الرياضة الشعبيّة إلاّ للأغنياء، إلاّ لمَن يملك المال.

حين رأى بعض محبّي الكرة في سورية هذا الأمر، حاولوا أن يجدوا حلاًّ على مبدأ "الرمَد أفضل من العمى". وقالوا في أنفسهم: حسناً، سنقوم بدفع الاشتراك الغالي الثمن على الفقير، وسنسمح للمساكين بأن يأتوا ليتفرّجوا مقابل مال أقل بكثير، وإن وجِدَ صبيّ هنديّ عند زجاج المطعم لن نطرده، ولن ندع نسر الـ art ينهش لحم الجائعين. فمطعمنا شعبيّ ... بابنا مفتوح للمساكين ... سنعرض المباريات في الهواء الطلق، ويستطيع كلّ عابر سبيل أن يراها من بعيد. وسنعتبر هذا شكل من أشكال الزكاة، ولابدّ أنّها تثلج قلب الله. لكنّ بوّاب الاقتصاد المتوحّش شهر خيزرانه، وهدّد كلّ مَن يجرؤ على فعلٍ كهذا بالعقاب. إنّه لا يريد أن يفوّت على نفسه كسب حتّى فلس اليتيم.

أين الديمقراطيّة وحقوق الإنسان الّتي ينادي الغرب بها ويتّهمنا بانتهاكها؟ فإذا كانت كلمة ديمقراطيّة تعني، من بين ما تعنيه، أن يتّخذ الشعب قراره بنفسه، فلنسأل الشعب هل هو راضٍ عن هذا القرار، أعني قرار أن لا يستطيع الناس مشاهدة مباريات كأس العالم إلاّ بدفع المال؟ وإذا كانت حقوق الإنسان تنصّ على حقّ كلّ بشر في الترفيه بدون تمييز (المادّة 2 و 24)، لماذا يُحرَمُ المساكين من أبسط أنواع الترفيه؟ ولماذا يُستغلّون حتّى في ترفيههم؟ أليس من واجب الفقراء أن يحطّموا مكاتب مَن يسرقونهم متعتهم الوحيدة في سبيل أن ينهشوا لحمهم؟

الأمر لا يتعلّق بدولة ولا بحكومة. فما يحصل في كأس العالم الآن من استغلال هو مقدّمة لعصرٍ شركاتٍ لا هويّة لها ولا انتماء، وهي تسعى إلى فرض شريعة الغاب على الناس وعلى الدول. شريعة يأكل فيها القويّ الضعيف. شريعةٌ لا مكان فيها للفقير والبائس والأرملة والمسكين. إنّ استغلال حبّ الناس لكأس العالم علامة على أنّ هناك مَن يريد أن يستعمر الشعوب، لا بالمال ولا بالإغواء والدعاية، بل بالاقتصاد. إنّه نذير خطر، وعلينا أن نوقف الطغاة قبل أن يفوت الأوان.

 
 
   

 
Designed by Mounir Kwefati