جمعية التعليم المسيحي في حلب
     

تأسيس مفاهيم الحرّيّة في عقول الناس
على نهج الإمام علي عليه السلام

الأب سامي حلاق اليسوعي

 
 
 

لمناسبة مولد الإمام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أقام مركز الفردوس للثقافة والإعلام المهرجان الثامن للإمام عليّ بعنوان:

" الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام والحرية "

وقد أقيم هذا المهرجان في عدّة محافظاتٍ سوريّة، وفي مدينة حلب أقيم في المكتبة الوطنيّة يوم السبت 19 تمّوز 2008 وألقى فيه الأب سامي حلاّق اليسوعي كلمة بعنوان :

"  تأسيس مفاهيم الحرّيّة في عقول الناس على نهج الإمام عليّ "

 
 
 

مقدمة

أيّها السادة الكرام

أودّ في بداية كلمتي، أن أوجّه شكري الخاص إلى إدارة مركز الفردوس للثقافة والإعلام، ولكلّ مَن اشتغل لتنظيم وإحياء هذا المهرجان الثقافيّ الثامن، مهرجانَ الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه.

لقد اخترتُ لحديثي هذا أن أتكلّم على تأسيس مفاهيم الحريّة في عقول الناس، بحسب نهج الإمام عليّ. إنّني لستُ من الاختصاصيّين في سيرة هذا الإمامِ الجليل. ولكنّني أراه على الدوام إنساناً تقيّاً ومعلّماً روحانيّاً أكثر منه خليفةً سياسيّاً أو حاكماً مدنيّاً. لذلك، سأتكلّم على نهجه من الجانب الروحانيّ. وسأعلّق على أقواله انطلاقاً من تأمّلاتي لعباراته وسبري لغورها، وتذوّقي لمعانيها.

ما هي الحريّة ؟

في تأمّلاتي لأقوال الإمام عليّ بن أبي طالب، راودني سؤالٌ ملحّ: ما هو المفهوم الجوهريّ للحرّيّة الّذي يبني عليه إمامنا تعاليمه وأقواله؟

قد يبدو لكم هذا التساؤل غريباً. فالحريّة حرّيّة. إنّها مبدأٌ وجوهر. ومنها تخرج الفروع: حريّة التعبير، حريّة الفكر، حريّة التجارة، حريّة التنقّل ... ولكنّني لاحظتُ، من الناحية الروحيّة، أنّ الإمام عليّ عليه السلام لا يعتبر هذه الأمور حريّة، أو حريّات جوهريّة. فالحريّة الجوهريّة في رأيه تنطلق من نظرة روحيّة إلى الإنسان، وعلى هذه النظرة أن تطرح تساؤلاتٍ على كلّ تعريفٍ للحريّة تعطيه العلوم الإنسانيّة. ففي هذه العلوم، تبدو الحرّيّة وكأنّها قدرة الإنسان على فعل ما يشاء. لكنّ هذا المفهوم يثير جدالات. فالإنسان كائن اجتماعيّ، ولابدّ لحرّيّته من أن تصطدم بحرّيّات الآخرين من جهة، وسلطة المجتمع من جهةٍ أخرى. في هذه الحالة، هل مبدأ: «الحرّيّة هي أن أفعلَ ما أشاءُ» هو التعريف الصحيح للحرّيّة؟

ربّ قائلٍ يقول: أجل، هذه هي الحرّيّة ولكنّها تنتهي عند حرّيّة الآخرين. أي حريّةً ولكن ضمن حدود. فلسفيّاً، لا يمكننا أن نقبل هذا التعريف، لأنّ الحريّة هي عكس الحدود. إنّها غياب الحدود.

إنّ مفهوم الحرّيّة يواجه عقباتٍ أخرى غير مسألة الآخرين أو الجماعة. فالإنسان الّذي يريد أن يكون حرّاً، يصطدم عاجلاً أو آجلاً بجدارٍ سميكٍ من الحتميّات. والفيلسوف لويس إيفلي يعبّر بصورةٍ واضحة عن أزمة هذه الحتميّات في مقدّمة كتابه عن الحرّيّة ويقول:

«إنّ حرّيّتي تبرز وتُمارَس بين عددٍ لا يُحصى من التبعيّات. فأنا محدودٌ منذ البداية، مثلما تحدّد القاعدة الهرم. باستطاعة الهرم أن يرتفع أعلى أو باستقامةٍ أشد، لكنّه لا يستطيع أبداً أن يتخطّى المربّع الّذي برز منه. وأنا أيضاً، أصارع في حقلٍ مغلق، لأنّني في شبكةٍ من الظروف والمؤثّرات الّتي تحدِّد حرّيّتي، حتّى وإن كانت تولّدها».

يفسّر الأب هنري بولاد فكر هذا الفيلسوف ويقول: منذ البداية، لم أختر أن أكون موجوداً. ما من أحدٍ استشارني وسألني هل أريد أن أولَد أم لا. لقد ألقاني والداي في الوجود من دون رأيي. هذه هي أوّل إهانة لحرّيّتي: أنا موجودٌ من دون أن أختار بأن أكون موجوداً، مع أنّ الأمر يتعلّق باختيارٍ أساسيٍّ جوهريّ: أكون أو لا أكون. لكنّي لم أختر. «لقد سفّروني» كما يقول الفيلسوف پاسكال.

لم أختر انتمائي إلى أحد الجنسين ولا طول قامتي ولا سيماء وجهي ولا لون شعري ولا صحّتي ولا سماتي الوراثيّة ولا اسمي. فما هو خاصٌّ جدّاً بي، مقوّمات هويّتي، قد فُرِضَ عليَّ كلُّه فرضاً ... ولم أختر أيضاً أهلي، إخوتي، أخواتي، بلدي، جنسيّتي. لم أختر المبادئ الّتي زُرِعَت فيَّ بالبيت والمدرسة والوسط الاجتماعيّ والمجتمع. كلّ ما يجعلني أفكِّر بطريقةٍ معيّنة، وأعبِّر بطريقةٍ معيّنة، وأومن بطريقةٍ معيّنة، وأنتمي إلى هذه الثقافة الخاصّة وهذه الفئة الاجتماعيّة ... حتميّاتٌ كثيرة تجعلني أتساءل: هل الحرّيّة حقيقةٌ أم وهمٌ؟ ما هي الحريّة؟

حرّ أمام الله

إذا تأمّلنا أقوال الإمام علي عليه السلام، نرى أنّه يعتبر الحريّة أوّلاً هي قدرة الإنسان على التقرّب من الله. أنا حرّ بمقدار ما أستطيع أن أتقرّب من العزّة الإلهيّة. يقول الإمام: «مَن زهِدَ في الدنيا أعتق نفسه وأرضى ربّه». وبقوله هذا يبيّن إمامنا الجليل أنّ هناك علاقةً جدليّة بين الزهد والإعتاق. إنّه يضع الإنسان بين اختيارين: التعلّقُ بالدنيا أو الزهدُ بها. سيّدُنا عيسى يقول قولاً مشابهاً: «لا يستطيع الإنسان أن يعبُدَ ربَّين. إمّا أن يعبُدَ الله أو يعبُدَ المال».

الحرّيّة هي قدرة الإنسان على التقرّب من الله. لأنّ الله سبحانه وتعالى هو الحريّة الصرفة. ومنه تنبع كلّ الحريّات. إنّه النبع. ومَن أراد أن يكون حرّاً عليه أن يرتوي من هذا النبع. ومَن لا يدنو منه لينهل من مائه يكون كمَن يشرب من ماء المستنقعات الآسن وهو يعتقد أنّه يشربُ ماءً زًلالاً. كلّ مفاهيم الحرّيّات الشائعة بين الناس: حريّة التعبير، حريّة الفكر، حريّة التصرّف، عليها أن ترتوي من نبعٍ واحدٍ وحيد وهو الله، كما ترتوي الأرض من الماء فتعطي أزهاراً وثماراً من مختلف الأشكال والأنواع.

هذه المسألة جوهريّة لفهم الأسس الّتي يبني الإمام عليّ عليه السلام نهجه وفكره. وعليها ألاّ تغيب عن أذهاننا حين نقرأ أقواله في شأن الحريّة. الإنسان الحر هو الإنسان الّذي يستطيع أن يتقرّب من الله بدون عائقٍ؛ الإنسان الحر هو الّذي ينهل من ينبوع الحريّة الحقيقيّ، ألا وهو كلام الله. ولكي يتمكّن من ذلك، ليس أمامه إلاّ الزهد. «مَن زهِدَ في الدنيا أعتق نفسه وأرضى ربّه».

المفهوم الثاني للحرّيّة في فكر الإمامِ عليّ هو أنّ الحرّيّة مسيرة. إنّها ليست نقطة وصول كما يعتقد بعضهم، وليست حالةً جامدة كما يظنّ آخرون. إنّها مسيرة. مسيرة جهد شخصيّ. وكما يقول ابنُ عربي: «على هذا الجهد الشخصيّ أن يصبّ في الخضوع لله من خلال زهدٍ لا ينثني من أجل تنقية الضمير من كلّ دنسٍ أخلاقيّ.» ويقول الإمامُ عليّ «بالبرّ يُملَكُ الحرُّ». والبرّ الّذي يقصده هو زهدٌ يمرّ في ثلاث مراحل:

1- زهد الحواس.

2- زهد القلب.

3- زهد الروح.

فعن زهد الحواسّ يقول الإمام عليّ: «إنّ الحياء والعفّة من خلائق الإيمان، وإنّهما لسجيّة الأحرار وشيمةُ الأبرار.»

وعن زهد القلب يقول: «العبد حرٌّ ما قنع، والحرّ عبدٌ ما طمع.»

وعن زهد الروح يقول: «الدنيا دار ممرٍّ والناس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها، ورجلٌ ابتاع نفسه فأعتقها.»

الخطيئة فقدان للحريّة

ولكي نفهم سرّ هذه الحرّيّة الجوهريّة، يقول الإمام عليّ: «أيّها الناس، إنّ آدم لم يلد عبداً ولا أمة، وإنّ الناس كلَّهم أحرار.» وما كان لآدمَ أن يلدَ أحراراً لو لم يكن هو حرّاً أصلاً. فقد ولِدَ آدمُ حرّاً. والكتاب المقدّس لدينا يقول إنّ الله نوى أن يخلق آدم على صورته ومثاله. «لنصنع الإنسان على صورتنا ومثالنا». وحيث إنّ الله حرٌّ، خلق الإنسان حرّاً، خلقه على صورته «وخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكراً وأنثى خلقهما». فالإنسان مخلوق على صورة الله، مخلوقٌ حرّاً، ومن خلال حريّته هذه يتجلّى مجد الله. ولكنّ هذه الحريّة ليست غاية في حدّ ذاتها، وإنّما وسيلة. فمشروع الله هو أن يتمكّن الإنسان بوساطة حرّيّته من أن يقتدي بالله. أن يتخلّق بخُلقِهِ ويتحلّى بصفاته: العدل، والرحمة ... والمحبّة. وحيث إنّه حرٌّ، لا شيء يعيقه عن هذا الاقتداء.

لكنّ آدم فقد هذه الحريّة حين أشاح وجهه عن الله والتفت إلى الحيّة، أي إبليس، وأكل من الشجرة المحرّمة، شجرة معرفة الخير والشر. وعلى مثاله، يشوّه الإنسان صورة الله فيه، حين يلتفت إلى الدنيا ليتقرّب منها بدل الالتفات إلى الله. لذلك يوصي الإمامُ عليّ الإنسان ويقول له: «لا يسترقّنّكَ الطمع وقد جعلك الله حرّاً.» لقد استرقّ الطمع آدم. وهو يسترقُّ كلّ إنسانٍ، ويشوّه مفهومه للحرّيّة.

إنّ قصّة آدم وخطيئتَه تشغل مكانةً في غاية الأهميّة بالنسبة إلى إيماننا المسيحيّ. فمنذ أن أخطأ آدم، فقد حريّته الأولى، حريّة التقرّب من الله، وسقط في عالم التعلّقات الدنيويّة. وفقد حتّى مفهوم الحرّيّة. لقد «استرقّه الطمع» فقتل قايين أخاه هابيل، وتمرّد أهل بابل على الله، وأثار قوم نوح غضب الله.

منذ آدم، تحوّل مفهوم الحرّيّة، ولم تعُد الحريّة هي حرّيّة التقرّب من الله بل حريّة الاختيار: أن أختار بين هذا وذاك، أن أختار الخير أو الشر، أن أختار هذا الطعام أو ذاك. المسيحيّة تعتبر المفهوم الشائع للحريّة، أعني قدرة المرء على أن يفعل ما يشاء، هو مفهوم مشوِّه للحريّة. مفهوم ساقط لأنّه ثمرة سقطة الإنسان الأوّل. والإمام عليّ يؤكّد هذه الحقيقةَ بقوله: «مَن ترك الشهوات كان حرّاً».

تأسيس مفاهيم الحرّيّة

أعود الآن إلى عنوان حديثي: «تأسيس مفاهيم الحرّيّة عند الناس». يقول الإمام عليّ عليه السلام: «مَن قام بشرائط العبوديّة أهلٌ للعتق، ومَن قصّر عن أحكام الحرّيّة أعيد إلى الرِّق.» هذا القول مدهش! كيف يستطيع الإنسان أن يصبح أهلاً للحريّة إذا قام بشرائط العبوديّة؟ لفهم هذا الأمر، أستعين بتشبيهٍ للأب هنري بولاد اليسوعيّ.

لنأخذ مثال عجلة الدرّاجة. فالقضبان الّتي تضغط بكلّ قواها على المحور المركزيّ، تبدو وكأنّها تريد سحقه وتثبيته وخنقه وشلّ حركته. ومع ذلك، فإنّ المحور الخاضع لجميع هذه الضغوطات، حين يتحمّل عبئها، «حين يقوم بشرائط العبوديّة.» لا يُبطِلُ مفعولها وحسب، بل يجانسها ويوحّدها.

الإنسان هو هذه العجلة. والمحور هو حرّيّته. والقضبان هي الحتميّات المفروضة عليه. فإذا أراد الانطلاق إلى الأمام، إذا أراد التقرّب من الله، عليه ألاّ يبدّد قواه في مصارعة الحتميّات وإلغائها. لأنّ تحطيم قضبان العجلة، إلغاء بعضٍ منها، يجعل سيرها مترجّحاً، وتقدّمَها بطيئاً. كلّ ما عليه أن يفعله هو أن يقبلها راضياً. «أن يقوم بشرائط العبوديّة». حينها يصبح حرّاً. وإذا زاد بالزهد والجهد الروحيّ عدد القضبان ازدادت سرعته. ففي عجلات السباق، عدد القضبان هو أكثر من عددها في العجلة العاديّة.

الحرّيّة هي من هذا النمط. إنّها قيام الإنسان بشرائط العبوديّة. إنّها فنّ قبول الحتميّات والتنسيق بينها، والبناء على أساسها لا السعي إلى إلغائها. الحريّة هي مكان دمج جميع ظروفنا البيولوجيّة والاجتماعيّة والنفسيّة. إنّها المحور الّذي يتحمّلها وينسّق بينها، لتتمكّن العجلة من الدوران، والحياة من التقدّم. فبمقدار ما يستطيع الإنسان أن يقبل بوعيٍ ما يحدّدُه، أن يقوم بشرائط العبوديّة، يتصرّف تصرّفاً حرّاً، تصرّفاً إنسانيّاً حقّاً.

الحرّيّة هي أن أقبل ذاتي كما أنا - أو كما لستُ عليه- لأكون فوق ذلك أو بعيداً عنه.

في الختام، أوجزُ ما قلتُه بعبارةٍ للإمام عليّ عليه السلام:

« الحرُّ حرٌّ ولو مسّه الضرر، والعبدُ عبدٌ وإن ساعده القدر.»

 
 
   

 
Designed by Mounir Kwefati