جمعية التعليم المسيحي في حلب-قصص ذات مغزى
     

الحلم

 

في الحلم رأيت نفسي أسير على شاطئ البحر وبجابني يسوع المسيح. كنا نسير معًا وهو بقربي وأنا بقربه. نظرت إلى الوراء، فرأيت آثار أقدامنا باقية على الرمل. كانت هناك آثار أقدام شخصين، وفي بعض الأحيان، آثار أقدام شخص واحد. وعندها رأيت حياتي الماضية تمرّ أمام عينيّ كالشريط السينمائي. ولاحظت أن آثار الشخص الواحد توافق الأيام التي كنت أعيش فيها شدّةً من الشدائد: أيام المحن والتجارب، أيام اليأس والملل، أيام الحقد والغضب، أيام المعصية والخطيئة.

نظرت إلى يسوع وعاتبتُه:

- "أهكذا تتركني أيام الشدّة؟ في الأوقات التي كنت فيها محتاجًا إليك؟".

فنظر إليّ بحنان وقال:

- "في الأيام الصعبة هذه، كنتَ أنتَ تعبًا ولا تقوى على السير، وكنتُ أنا أحملك"... وتلك الآثار الواحدة التي رأيتها هي آثار قدماي.

الوريث

 

عاش في إحدى المناطق السهلية مزارعٌ كبير يملك أراضيَ شاسعة. وكان يسكن مع امرأته وابنه الوحيد في قصر كبير تتواجد فيه كل مستلزمات الراحة والرفاهية. وفي أحد الأيام، دعا المزارع ابنَه الوحيد وقال له أنه يريد أن يورثه كل ما يملك، قبل أن يموت، لكنه طلب منه أن يسافر إلى المدينة ويعمل بعرق جبينه مدّة أسبوعين ليتعلّم معنى الجهد والتعب في كسب المال، وأن يعود إليه بعد أسبوعين ويقدّم له ما كسبه من تعب جبينه.

لم توافق الوالدة على هذا العرض، وحاولت إقناع زوجها بالعدول عن ذلك، دون جدوى. فذهبت إلى ابنها وأعطته صرّة من النقود تكفيه للعيش في المدينة دون جهد. انقضت المدة فعاد الشاب إلى البيت ودخل إلى أبيه وأعطاه صرّة النقود وقال له:

- "لقد لبّيت طلبك وعملت في المدينة، وإليك ما جنيت".

فأخذ الوالد صرّة النقود وألقاها في نار الموقد ونظر إلى ابنه وقال: "أنت كاذب لأنك لم تعمل في المدينة".

حزن الولد وذهب ليشكي همّه إلى أمّه، فطمأنته أمّه وأعطته نقودًا أخرى وقالت له: "عد إلى المدينة، وعش كما تريد، ثم ارجع إلى أبيك بثياب رثّة وسخة ليقتنع أنك عملت". وهكذا كان. عاد الولد بعد أسبوعين ودخل على أبيه بثياب وسخة وقال له: "إليك ثمرة تعب يديّ". فأخذ الوالد صرّة النقود ورماها في موقد النار وقال لابنه: "أنت كاذب، فأنت لم تعمل في المدينة".

عاد الولد إلى المدينة وصمّم على العمل. وبعد أسبوعين عاد إلى أبيه وقدّم له صرّة النقود التي كسبها. فأخذها الوالد ورماها في موقد النار. وقبل أن ينظر الوالد إلى ابنه أو يقول شيئا، انطلق الولد بسرعة إلى الموقد ومدّ يده في النار وانتشل الصرّة بما فيها وقال لأبيه: "أيّ مبذّر أنت؟ لقد عانيتُ الأمرّين كي أحصل على هذه النقود، وأنت ترميها في النار؟".

فنهض الوالد لتوّه وضمّ ابنه إلى صدره وترقرقت الدموع في عينيه وقال: "الآن أستطيع أن أورثك مطمئنّا، لأنّك أصبحت تعرف قيمة المال".

ضرورة الجهد والعمل

 

صادف رجلٌ وهو يتنـزّه في الغابة، ثعلبًا فقد قوائمه الأربعة. فحدّث نفسه قائلاً: "كيف يمكن لهذا الثعلب أن يصطاد فريسة ليأكلها؟ وأي دهاء يستعمل كي يحصل على قوته اليومي؟"

وفيما هو يفكّر، رأى نمرًا يسير وفي فمه حَمَلٌ صغير. ووقف النمر بجانب الثعلب والتهم فريسته حتى شبع، ثم راح في سبيله. فتدحرج الثعلب على الأرض حتى وصل إلى بقايا الطعام، فأكل منها حتى شبع أيضا. أُعجب الرجل بما رأى وفكّر قال: "لماذا أتعب وأشقى؟ إن الله يرعى خلائقه ولا ينساها. وما رأيته اليوم يُثبت ذلك".

وجلس الرجل في ظلّ شجرة ينتظر أن يرسل الله إليه طعاما. مرّت ثلاثة أيام، ولم ينل شيئا يسدّ به رمقه. فثار على الله وقال: "أيّ إله أنت؟ تفضّل الحيوان على الإنسان؟ تطعم الثعلب الذي لا يعرف أن يشكر وتنسى الإنسان الذي يعبدك ويشكرك؟"

فجاء صوت من السماء يقول: "أيّ إنسان أنت؟ تنظرُ إلى الثعلب المُعاق لتقتدي به ولا تقتدي بالنمر؟"

العفّة

 

كان راهبان يسيران في طريق العودة إلى الدير، فصادفا فتاة جميلة تلبس ثيابًا نظيفة، وتتزيّن بالحليّ. فحيّت الفتاة الراهبين وقالت: "لقد انهار الجسر ليلة أمس أثناء هبوب عاصفة، وليس من وسيلة لعبور النهر. واليوم تُزّف صديقتي إلى شاب، وأنا ذاهبة لأحضر العرس. لكنّي أخشى النـزول في الماء فتتلوّث ثيابي النظيفة. فهل يمكنكما مساعدتي في عبور النهر؟"

وكان أحد الراهبين عجوزا، فتقدّم من الفتاة وحملها بين ذراعيه وعبر النهر وتركها على جانب النهر الآخر. تبعهما الراهب الثاني صامتًا، وكان شابّا يافعًا، يشعُّ حياة ونضارة. وعندما ابتعدت الفتاة عنهما، بدأ الراهب الشاب يؤنّب الراهب العجوز: "كيف حملتَ هذه الفتاة؟ ألا تعلم أن الشيطان يأتي أحيانًا في هيئة ملاك النور، فيجمّل الخطيئة ويخفيها تحت ستار عمل الخير؟ أتدري ما ستقوله هذه الفتاة لأصدقائها؟ إنها ستفتخر أن راهبًا حملها بين ذراعيه..." وتابع الراهب الشاب تأنيب الراهب الكهل، وهذا لا يردّ جوابًا، حتى وصلا إلى الدير. وقبل أن يعبُرا بوّابة الدير الصغيرة، توقف الراهب العجوز وقال: "اسمعني الآن جيّدًا. يقول أحد المتصوفين أن اقتراف الخطيئة أقلّ خطورة من التفكير فيها أو اشتهائها. فذاك يدوم لحظة وهذا يستمر أيّامًا. أنا لا أريد أن أدافع عن نفسي أو أبرّر فعلي، لكني تركت الفتاة على ضفة النهر.... فإن كنت ما تزال تحملها في فكرك إلى الآن، دعها هنا ولندخل الدير اثنين لا ثلاثة".

الراعي الصالح

 

بينما كان أحدُ الرجال يتنـزّه على سفح جبل، تناهت إلى أسماعه أنغام ناي عذبة. فسار نحو مصدر هذه الأنغام، فرأى راعيًا جالسًا في ظل شجرة كبيرة، يعزف على الناي والغنم حوله يلتهم العشب الأخضر بهدوء. فحيّا الرجلُ الراعي وسأله عن حال القطيع. فبدأ الراعي يحدّث زائره عن الخراف وخصال كلّ واحد منها. فتعجّب الرجل من الكلام ولم يصدّق أن الراعي يعرف خرافَه، وأن خرافه تعرفه، وأنه يدعو كلّ واحد منها باسمه. فنهض الراعي من مكانه ونادى اسماً، فأتى إليه خروف، وبقي باقي القطيع في مكانه. ونادى اسماً ثانيًا، فأتاه خروف آخر، وبقي القطيع في مكانه. ونادى اسمًا ثالثا ورابعا حتى حضرت الخراف إليه واحدًا واحدًا. فدُهش الرجل مما رأى، وسأل الراعي كيف يميّز الخراف وهي متشابهة. فابتسم الراعي وقال: "هذا أمر في غاية السهولة، ففي هذا الخروف قطعة صوف مقطوعة، وفي ذلك نقطة سوداء، وفي هذه النعجة جرح، وتلك مقطوعة الأذن ..."

فسأل الرجل: "أليس في القطيع خروف كامل؟"

فابتسم الراعي وقال: "إن الخراف الكاملة لا تحتاج إليّ..."

الفرق بين السماء وجهنم

 

مات راهب تقيّ. ولمّا كان رجل فضيلة على الأرض، دعاه رئيس الملائكة إلى دخول الجنّة. فسأل الراهب الملاك سؤالاً قال: "طوال حياتي على الأرض، كان يشغلني سؤال واحد: كيف يمكن لله الكلّي الصلاح أن يعاقب البشر، حتى إن عصَوا؟ وكيف لا تشمل محبتّه التي لا حدّ لها الأشرار؟"

فطلب الملاك من الراهب أن يتبعه إلى زيارة جهنّم. دخل الاثنان من باب واسع عريض إلى حديقة غنّاء، تحوي من الأشياء ما لم تره عين ولم تسمع به أُذن. وكانت الحديقة خالية من الناس. ثم سار الاثنان حتى وصلا إلى بناء كبير ودخلاه. فوجد الراهب نفسه في صالة ضخمة فيها طاولة لم يرَ مدّة حياته واحدة في حجمها. وكانت على الطاولة أطباق شهيّة من الأرزّ تبعد مسافة مترين عن الأشخاص الجالسين حولها. وكان كلّ واحد يمسك معلقة طويلة جدًّا للأكل. وبسبب طول الملعقة، لم يكن أحدٌ يستطيع أن يتناول الطعام ويضعه في فمه. وكان الجميع يئنّون من الجوع، ولا يفكّرون في الخروج إلى الحديقة للتمتّع بمناظرها الخلاّبة وبطونهم خاوية.

ثم قاد الملاك الراهب إلى الجنّة، ودخلا من بابها الضيّق. فوجد الراهب حديقة تشبه الأولى، ولكنّها مليئة بالبشر يتنـزّهون مسرورين. وذهب الاثنان إلى صالة تشبه الصالة التى رأياها في جهنّم. وكان الناس فيها يأكلون الطعام ويتندّرون، ولاحظ الراهب أن الملاعق التي يأكلوا بها طويلة أيضاً كالتي شاهدها من قبل ولكن الجميع كانوا يأكلوا حتى الشبع لأن كلّ واحد منهم كان يأخذ الأكل بملعقته الطويلة ويضعه في فم زميله الذي أمامه ويطعمه.

مريم تفتح شبابيك في السماء

 

خطر ببال يسوع أن يقوم بجولة تفتيشية في السماء. فرأى كثيرًا من الأشخاص في السماء لا يلبسون حُلّة الُعرس، أي أنهم لا يستحقّون دخول النعيم. فأنفذ في الحال من يستدعي القديس بطرس، بصفته المسئول الوحيد عن باب السماء. وتقدّم بطرس متحسّبًا وَجِلاً، فبادره يسوع بقوله: "سلّمتُك مفاتيح السماء على أمل أن تُصرّف الأمور بفطنة وتعقّل. فهل لك أن تُخبرني كيف دخلتْ السماء مثل هذه النفوس الخاطئة وبهذا العدد الضخم؟" فأجاب بطرس وهو في غاية الانفعال: "يا رب، ماذا تريدني أن أعمل؟ كلّما أغلقتُ بابًا، فأمّك العذراء تفتح شبّاكًا..."

صلاة المسبحة

 

شاب فرنسي ذكي يدرس مادّة العلوم في الجامعة، لكنه لا يؤمن بالله ولا بأي نوع من أنواع الصلاة. دخل يوما ما كنيسة من كنائس باريس ليتفرّج على اللوحات الفنّية والرسومات، وراح يتجوّل في مختلف جوانب الكنيسة. سمع أثناء تجواله همسًا ضعيفًا يأتي من بعيد. فاتجه صوب الصوت يريد أن يتعرّف على مصدره. فتبيّن ظلّ إنسان في الظلمة مختبئًا وراء أحد الأعمدة. فسار إليه على طرف أصابعه، حتى إذا وصل إليه وحدّق فيه جمد في مكانه وفغر فاه... رأى معلّمه الكبير في مادة العلوم، العالم أمبير Ampère راكعا يتلو المسبحة الوردية.

كانت هذه الحادثة بداية تغيير حياة عند الشاب، وأصبح اليوم طوباويّا وهو أوزانام Ozanam مؤسس جمعية مار منصور مع القديس منصور دي بول. كان يقول: "إن مسبحة أستاذي أمبير أثّرت فيّ أكثر من كل الكتب والمواعظ".

حبّ المال

 

ناسك قديس اختار العيش في البراري بعيدًا عن العالم. ويوما ما قادته خُطاه إلى مغارة يستريح فيها قليلا، ويعكف فيها على الصلاة والتأمّل. وإذ به يرى كنـزًا مخبوءًا هناك. فما كان منه إلاّ هرول خارج المغارة يصيح: "رأيت الموت.. نعم رأيت بعينيّ الاثنتين..."

والتقي به صدفة في أثناء هربه لصوص ثلاثة، فلاحظوا خوفه فأشفقوا عليه وعرضوا عليه المساعدة. ولما قال لهم أنه رأى الموت، هدّأوا من روعه وطلبوا منه أن يأخذهم إلى المكان ليروا الموت هم أيضًا. قادهم الناسك إلى المغارة، واقترب من الكنـز فأشار إليه مرتعبًا وقال: "هوذا الموت". تقدّم اللصوص بحذر، وما إن رأوا الكنـز حتى جُنّوا من الفرح، فقالوا للناسك: "لقد أصبت أيها الأب القديس، هذا هو الموت بعينه. فاهرب منه سريعا قبل فوات الأوان".

وبقي ثلاثتهم في المغارة يتبادلون الرأي في كيفية نقل الكنـز. طال بهم الأمر في التفكير، فشعروا بالجوع، فأرسلوا أحدهم إلى المدينة ليحضر لهم ما يأكلون، وبعد ذلك يقرّرون كيف ينقلون الكنـز.

ذهب اللص إلى المدينة ليحضر الطعام، لكنه فكّر في نفسه: "سآكل أنا في المدينة، وسأحضر الطعام لرفيقيّ. لكني سأدسّ لهما السّم في الأكل، حتى إذا ماتا أخذت الكنـز لوحدي". وهكذا فعل.

أما رفيقاه في المغارة، ففكّرا هما أيضا قائلين: "لمَ لا نتقاسم الكنـز نحن الاثنين. فلنقتل رفيقنا حالما يعود ونتقاسم الغنيمة".

وما هي إلاّ لحظات، حتى وصل الرفيق الثالث من المدينة يحمل الطعام. وما إن دخل حتى تناوله اللصان بضربة قاضية على رأسه، فمات على الفور. ثم جلسا يأكلان ويشربان. لكن سرعان ما أخذ السمّ مفعوله فقضيا نحبهما... وبقي الكنـز مكانه.

جدل على باب السماء

 

توفي كاهن ومَثَلَ أمام القديس بطرس يريد أن يدخل السماء. رحّب به مار بطرس وأمر ملاكًا بأن يُحضر ملفّ الكاهن ليطّلع على حياته وأعماله. وبعد أن قرأ الملف كاملا قال للكاهن: “حياتك لا بأس بها، إنما عليك أن تقضي 150 أسبوعا في المطهر”.

احتجّ الكاهن، وكان يودّ أن يدخل السماء مباشرة، فحنّ عليه مار بطرس وقال له: “نظرًا لما عانيته من آلام الروماتيزم في حياتك، أعطيك خصم 30% . لكن الكاهن لم يكتف وبدأ يجادل مار بطرس ويطلب أن يدخل السماء مباشرة. تعب مار بطرس من إصرار الكاهن، لكن الكاهن أصرّ على استئناف الحكم إلى يسوع المسيح الكاهن الأزلي. وبعد أخذٍ وردٍّ، اتّصل مار بطرس بيسوع المسيح وقال له: "هنا كاهن لا يقبل بحكمي ويريد أن يرفع شكواه إليك شخصيا".

وبعد بضعة دقائق وصل يسوع المسيح فرأى الكاهن وسأله ماذا يريد. أجاب الكاهن: "عندي ثلاثة أسباب لاستئناف الحكم". فقال له يسوع: "قل". أجاب الكاهن: "يقول تلميذك يوحنا “في بيت أبي منازل كثيرة، وأنا ذاهب لأعدّ لكم مقامًا... فكيف أقتنع أنك يا يسوع في السماء منذ أكثر من ألفي عام، لتعدّ لي مكانًا في المطهر لا في السماء". أجاب يسوع: "حسنًا، أكمل". فقال الكاهن: “قلتَ أنتَ على لسان تلميذك يوحنا، "إن الذين أحببتهم أريد أن يكونوا حيث أكون أنا. فكيف تكون أنت على عرشك في السماء وكاهنك يتألم في المطهر"؟. ابتسم يسوع وقال للكاهن: "أكمِل". أجاب الكاهن: "يقول لوقا الإنجيلي أنّك وعدتَ تلاميذك أنهم سيأكلون ويشربون معك على مائدتك في ملكوتك. وملكوتك هو السماء، فهل هيّاتَ لي مائدة في المطهر؟".

ابتسم يسوع مجدّدًا وسأل الكاهن: "والآن ماذا تريد بعد هذا الدفاع المستميت؟" أجاب الكاهن: "أريد فقط أن اكرّر ما قاله رسولك متى حين كتب : أنا لست أهلاً... ولكن حسبك يا ربّ أن تقول كلمة..."

وضحك يسوع حتى بانت نواجِذُه، وربّت على كتف الكاهن وقال له: "ليكن لك حسب إيمانك". قال هذا وأشار إليه أن يتبعّه. وسلك يبسوع درجًا خفيًّا والكاهن يسير وراءه، وما هي إلاّ لحظات حتى وجد الكاهن نفسه في السماء...

 

 

Designed by Mounir Kwefati